قصد البر إليها واعتقاد ما يجب لهما من التوقير وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا .
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
قاصدين للصلاح
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ
للتوابين
غَفُوراً
( 25 ) ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير ، وفيه تشديد عظيم .
ويجوز أن يكون عاما لكل تائب ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوليا لوروده على أثره .
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
من صلة الرحم وحسن المعاشرة والبر عليهم . وقال أبو حنيفة : حقهم إذا كانوا محارم فقراء أن ينفق عليهم . وقيل : المراد بذا القربى أقارب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
( 26 ) بصرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإسراف ، وأصل التبذير التفريق . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لسعد وهو يتوضأ : « ما هذا السرف » فقال : أو في الوضوء سرف ؟ قال : « نعم وإن كنت على نهر جار » .
شرح
وإن كانا كافرين فله أن يدعو اللّه لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان . ووجه الرد ما ذكره المصنف . قال الإمام : قوله تعالى :وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراًأمر ، وظاهر كون الأمر للوجوب أنه لا يقتضي التكرار ، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول في العمر مرة . وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه في اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة ؟ فقال : نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما قال تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[ الأحزاب : 56 ] وقال تعالى :وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ[ البقرة : 203 ] فهم يكبرون في أدبار الصلوات .
قوله : ( وفيه تشديد عظيم ) وكيف لا وقد غفر ما فرط منهم على سبيل المبادرة في حق من كان أوّابا ، وهو صيغة مبالغة فيقتضي الكثرة والمداومة كما روي عن سعيد بن المسيب أن الأوّاب هو الرجل الذي كلما أذنب بادر بالتوبة . وقوله تعالى :وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُالذي يدل على أن المراد بذي القربى غير الوالدين ، كون التوصية نوعا آخر من أنواع السعي الموافق لطلب الآخرة المدلول عليه بقوله تعالى :وَسَعى لَها سَعْيَها[ الإسراء : 19 ] وهو معطوف على قوله :وَقَضى رَبُّكَأن لاتَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُإلى هذا الموضع . والمعنى : إنك بعد فراغك من بر الوالدين يجب عليك أن تشتغل ببر سائر الأقارب الأقرب فالأقرب ، ثم بإصلاح أحوال المساكين وأبناء السبيل وذوو القربى إن كانوا محارم ، وفقراء عاجزين عن الكسب . وكان الرجل موسرا حقهم أن ينفق الرجل عليهم بقدر الحاجة عند أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى . وقال الإمام الشافعي : لا يجب الإنفاق إلا على الولد والوالدين محتسبا ، وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم ، فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة في السراء والضراء ونحو ذلك .