إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
أمثالهم في الشرارة فإن التضييع والإتلاف شرا وأصدقاءهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف والصرف في المعاصي . روي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك وأمرهم بالإنفاق في القربات .
وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
( 27 ) مبالغا في الكفر به فما ينبغي أن يطاع
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ
وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد . ويجوز أن يراد بالإعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية .
ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها
لانتظار رزق من اللّه ترجوه أن يأتيك فتعطيه أو منتظرين له . وقيل : معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك فوضع الابتغاء موضعه لأنه مسبب عنه ويجوز أن يتعلق بالجواب الذي هو قوله تعالى :
فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
( 28 ) أي فقل لهم قول لينا ابتغاء رحمة اللّه برحمتك عليهم بإجمال القول لهم .
قوله تعالى : ( وإما تعرضن عنهم الآية ) قيل : إنها نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب رضي اللّه تعالى عنهم وكانوا يسألون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الأحايين ما يحتاجون إليه وقد لا يجد عليه الصلاة والسّلام ما يدفعه إليهم ، فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول فنزلت : يعني أنه عليه الصلاة والسّلام لما كان يعرض عنهم بوجهه الكريم ويسكت ولا يجيبهم حياء من التصريح بردهم قال تعالى :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ
ولما لم يكن لترتيب قوله :
فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
على تحقق الإعراض المترقب منه عليه الصلاة والسّلام في المستقبل ، وجه لأنه في قوة قولك : وإن لم تجبهم فأجبهم بقول فيه يسر قال في توجيه الآية : وإن أعرضت عنهم أي فيما مضى فأجبهم من بعد بقول ميسور . فيكون قوله :
تُعْرِضَنَّ
على حكاية الحال الماضية . ثم عطف على هذا التأويل قوله : « ويجوز أن يراد بالإعراض » الخ أي ويجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم النفع بدفع ما يحتاجون إليه لعدم الاستطاعة عليه بناء على أن الإعراض بالوجه من لوازم عدم النفع فحينئذ يكون ترتيب الجزاء المذكور عليه ظاهرا . قوله : ( لانتظار رزق من اللّه ) يعني أن قوله :
ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ
مفعول له لقوله :
تُعْرِضَنَّ
وعلة للإعراض بأن يكون الابتغاء بمعنى الانتظار فإنه يصلح أن يكون علة حاملة على الإعراض . ويجوز أن يكون انتصابه على أنه مصدر واقع موقع الحال من فاعل « تعرضن » أو من ضمير « عنهم » . قوله : ( وقيل معناه لفقد رزق ) يعني أن قوله تعالى :
ابْتِغاءَ
متعلق بالشرط منصوب به إلا أنه لا يجوز إجراء الكلام على ظاهره لأن الإعراض عن المحتاج ليس لابتغاء رحمة اللّه بل هو مجاز عن فقد الرزق ، لأنه سبب لابتغائه فهو من قبيل إطلاق المسبب على السبب . ثم قال : ويجوز أن يكون الابتغاء متعلقا بالجواب منصوبا به على معنى : قل لهم قولا سهلا ابتغاء . وهذا الجواز مبني على قول من يجوّز