فقالت : قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك . فدخل صلّى اللّه عليه وسلّم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا . وأذّن بلال وانتظروا الصلاة فلم يخرج فأنزل اللّه ذلك . ثم سلاه بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإضافة إلا لمصلحتك .
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
( 30 ) يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم . ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر اللّه تعالى العالم بالسرائر والظواهر فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا .
شرح
درع . ودرع المرأة قميصها وهذا القول مبني على رواية الكشاف وهي هكذا : من ساعة إلى ساعة فعد إلينا . وعلى تلك الرواية يحتمل أن يكون « من » متعلقة « بيظهر » . قوله : ( ثم سلاه بقوله إن ربك يبسط الرزق ) الظاهر أن ليس مقصوده أن الآية نازلة لتسليه عليه الصلاة والسّلام بخصوصه عما حصل من الإعسار والإضافة ، بل المراد أنها نازلة لتسلية المعسرين مطلقا . وحصل له عليه الصلاة والسّلام التسلي في ضمن هذه التسلية العامة ، وذلك لأن المخاطب في قوله تعالى :وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُعام للكل بقرينة كونه معطوفا على قوله :وَقَضى رَبُّكَأن لاتَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُوإن قيل : إنه خطاب له عليه الصلاة والسّلام بخصوصه أمره اللّه تعالى أن يؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في مال الفيء والغنيمة ، وأوجب عليه أيضا أن يؤتي حق المساكين وأبناء السبيل من هذين المالين كما أشار إليه بقوله . وقيل :
المراد بذا القربى أقارب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولما كان الخطاب في هذه الآيات يعم الكل وأمر اللّه تعالى الموسرين منهم بالإنفاق على المعسرين منهم سلاهم بقوله :إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُأي يضيق بحسب مشيئته وهي تابعة للحكمة والمصلحة عند المعتزلة ، وبالعكس عندنا . وليس إعسار المعسر لهوان منك عليه ولا لبخل به عليك لكونه مهانا عند اللّه ، ولا لبخل منه تعالى عليه بل هو لكون مصلحته فيه . وفي ضمن هذه التسلية العامة تحصل تسليته عليه الصلاة والسّلام أيضا . فقوله : « بمشيئته التابعة للحكمة » ليس معناه أن أفعاله تعالى ومشيئته معللة بالحكمة والمصلحة وأن رعاية ما هو الأصلح في حق العبد واجبة عليه ، بل المراد أن مشيتئه تعالى موافقة للحكمة ولا تخلو عنها وأنه تعالى منزه عن أن يفعل ما لا حكمة فيه ولا مصلحة .
قوله : ( ويجوز أن يراد الخ ) إشارة إلى وجهين آخرين لانتظام هذه الآية بما قبلها وعلى كل واحد من الوجهين تكون هذه الآية تعليلا للآية الناطقة بالنهي عن القبض المفرط والبسط المفرط والأمر بالاقتصاد . تقرير الأول : أن القبض المفرط والبسط المفرد كل واحد منهما مختص باللّه ، فاقتصد أنت واترك ما هو مختص به تعالى . وتقرير الثاني : أنكم إذا تحققتم وتأملتم فيما بسط اللّه وقبض وأمعنتم النظر فيه وجدتموه مقتصدا يقبض تارة ويبسط أخرى