« خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة » أي كثيرة النتاج وهو أيضا مجاز من معنى الطلب .
ويؤيده قراءة يعقوب « أمرنا » ورواية أمرنا عن أبي عمرو . ويحتمل أن يكون منقولا من أمر بالضم إمارة أي جعلناهم أمراء وتخصيص المترفين لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور .
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
يعني كلمة العذاب السابقة بحلوله أو بظهور معاصيهم أو بانهماكهم في المعاصي
فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
( 16 ) أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم .
شرح
ومهرة مأمورة » أي كثيرة النتاج والنسل ، وأمر هو أي كثر ، فخرج على تقدير قولهم : علم فلان ذلك وأعلمته أنا ذلك . قال يعقوب : ولم يقله أحد غيره . قال الحسن : أمر ماله بالكسر أي كثر ، وأمر القوم أي كثروا ، وآمر اللّه ماله بالمد . وإنما قيل : مهرة مأمورة للازدواج ، والأصل مؤمرة على مفعلة ، كما قال عليه الصلاة والسّلام للنساء : « ارجعن مأزورات غير مأجورات » وإنما هو موزورات من الوزر فقيل : مأزورات للازدواج بقوله : « مأجورات » .
وقرىء أيضا « أمرنا » بالتشديد وفيه وجهان : أحدهما أن يكون التضعيف للتعدية عدى الفعل تارة بالهمزة وأخرى بتضعيف العين ، والثاني أن يكون بمعنى « جعلناهم أمراء » . في الصحاح :
أمر فلان وأمر أيضا بالضم ، أي صار أميرا والمصدر الإمرة بالكسر والإمارة . والمهر ولد الفرس والجمع أمهار ومهار ، والأنثى مهرة والجمع مهر ومهرات ، وفرس ممهر أي ذات مهر . والسكة الطريقة المصطفة من النخل ، وسكة مأبورة أي ملحقة يقال : أبر فلان نخله أي لقحه وأصلحه ، وتأبير النخل تلقيحه .
قوله : ( وهو أيضا مجاز من معنى الطلب ) أي كما أن أمرناهم بالفسق مجاز من الحمل عليه أو التسبب له فكذا أمرناهم بمعنى كثرناهم أيضا مجاز من قبيل إطلاق ما يدل على السبب وإرادة المسبب ، فإنك إذا قلت : أمر اللّه المهرة وأمر اللّه المترفين وأردت معنى كثرهم ، فقد استعملت الأمر الذي هو ضد النهي في لازم معناه ، فإنه تعالى إذا قال للمهرة :
كوني كثيرة النتاج أو قال للمترفين : كونوا كثيري الأعوان والأموال والعدد تكون كثرتهم لازمة له متفرعة عليه لا محالة . قوله : ( بحلوله أو بظهور معاصيهم ) الأول على أن يكون قوله :فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُلتفريع الحكم على السبب المؤدي إليه والثاني على أن يكون التركيب من قبيل قولك : أطعمته فأشبعته وسقيته فأرويته ، فإن الإشباع ليس حكما متفرعا على الإطعام وكذا الإرواء ليس أمرا مغايرا للسقي . فإن كلمة الفاء في مثلهما لتفسير ما قبلها وتبيينه فيكون تحقق كلمة العذاب السابقة عبارة عن ظهور فسقهم ومعاصيهم الثابتة في العلم الأزلي والقضاء السابق ، وهذا على أن يكون أمرنا من الأمر الذي هو ضد النهي . وإن كان بمعنى كثرنا يكون قوله :فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُبيانا لانهماكهم في المعاصي لأن تكثير