وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
كما قالوا :
ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا
[ الأنعام : 139 ] الآية وسياق مقتضى الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرّمات في الأجناس الأربعة إلا ما أقيم عليه دليل كالسّباع والحمر الأهلية . وانتصاب الكذب « بلا تقولوا » و « هذا حلال وهذا حرام » بدل منه ، أو متعلق بتصف على إرادة القول أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام ، أو مفعول « لا تقولوا » والكذب منتصب بتصف و « ما » مصدرية أي
شرح
قال بعضهم : الحلال والطيب واحد كأنه قال : كلوا ما أحل لكم فهو كقوله تعالى :فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ[ النساء : 3 ] أي ما حل لكم . وقال بعضهم : الطيب ما تستطيبه النفس وتتلذذ به لأن من الحلال ما لا تتلذذ به النفس بل تكرهه ، فإنه تعالى جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو أخبث وأخشن . ولا شك أن ما هو أطيب وألذ أتم نعمة وأدعى إلى الشكر . وقوله تعالى :فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍأي فمن اضطر إلى تناول ما ذكر من المحرمات . وقيل : معناه غير باغ على الوالي ولا متعد على الناس بالخروج لقطع الطريق . فعلى هذا لا يباح تناول شيء من المحرمات في سفر المعصية . قوله : ( وانتصاب الكذب بلا تقولوا ) على أنه مفعول به . ويحتمل أن يكون مفعولا مطلقا فإن القول قد يتعدى وقد لا يتعدى فهو مفعول به وإلا فمفعول مطلق . فعلى هذا تكون « ما » موصولة واللام صلة لقوله :لا تَقُولُواأي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم وذلك الكذب هو أن تقولوا في حقها هذا حلال وهذا حرام . أو متعلقة « بتصف » بأن يكون مسوقا لبيان الوصف الذي تبينه الألسنة . فالفاء في قول المصنف : « فتقول » كالفاء التي في قوله تعالى :فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ[ البقرة : 54 ] فإن الفاء العاطفة للجمل قد تفيد كون المذكور بعدها كلاما مرتبا على ما قبلها في الذكر لأن مضمون ما بعدها واقع عقيب مضمون ما قبلها في الزمان كقوله تعالى :فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ[ النحل : 29 ] وقوله :وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ[ الزمر : 74 ] فإن ذكر ذم الشيء ومدحه إنما يصح بعد جري ذكره . ومن هذا الباب عطف تفصيل الجمل كقوله تعالى :وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي[ هود : 45 ] فإن موضع ذكر التفصيل بعد الإجمال ومنه قوله تعالى :وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ[ الأعراف : 4 ] فإن تبييت البأس تفصيل الإهلاك المجمل . وما نحن فيه من هذا القبيل فإن قول الألسنة هذا حلال وهذا حرام تفصيل للوصف الذي أسند إليها . فكلمة « ما » أيضا موصولة واللام صلة « ولا تقولوا » . قوله : ( أو مفعول لا تقولوا ) عطف على قوله : « بدل منه » وقوله : « لوصف ألسنتكم الكذب » إشارة إلى أن اللام في قوله :لِما تَصِفُللتعليل