الشهوة والسوء يعم الافتراء على اللّه وغيره .
ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها
من بعد التوبة
لَغَفُورٌ
لذلك السوء
رَحِيمٌ
( 119 ) يثبب على الإنابة .
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرقة في أشخاص كثيرة كقوله :
وليس من اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد
شرح
البعث والنبوة وكون القرآن العظيم من عند اللّه وتحريم ما أحل اللّه وتحليل ما حرمه ونحو ذلك ، بيّن أن أمثال تلك القبائح لا تمنعهم من قبول التوبة وحصول المغفرة والرحمة إذا ندموا على ما فعلوا وآمنوا وأطاعوا . ولم يقدر للجهالة متعلق لتعم كل جهالة وكل ما يفعل السوء فإنما يفعله ملتبسا بالجهالة ، أما الكفر فلأن أحدا لا يرضى به مع العلم بكونه كفرا وأنه ما لم يعتقد أن ما هو عليه حق لا يختاره ولا يثبت عليه . وأما المعصية فلما لم تصر الشهوة غالبة على العقل والعلم لم تصدر تلك المعصية ، فثبت أن كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة . فلذلك قيل : كل من عصى اللّه فهو جاهل . ثم إنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله اللّه تعالى ، ذكر في آخر السورة من هو رئيس الموحدين ووصفه بأوصاف شريفة وطريقة حسنة مقبولة لذوي العقول ليكون ذكره حاملا لهؤلاء المشركين على الإقرار بالتوحيد والاقتداء به في الاتصاف بما له من الفضائل والكمالات ، فقالإِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِالآية سميت الأمة أمة لكثرة أفرادها . وفي الحديث : « لولا إن الكلاب أمة لأمرت بقتلها » . جعل اللّه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أمة تشبيها له بالأمة من حيث استجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرقة في جماعة ، فإن ذلك ليس ببديع من قدرة اللّه تعالى كما قال الشاعر :( وليس من اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد )يعني أن اللّه تعالى قادر أن يجمع في واحد ما في الناس من أنواع الفضل والكمال .
والدامغة اسم لشجة بلغت أم الدماغ وهي الجلدة التي تجمع الدماغ . شبه المذاهب الزائغة بأشخاص لها رؤوس مشتملة على الدماغ وشبه إبطال حجج تلك المذاهب بشجها شجة دامغة فأطلق اسم الدمغ على الإبطال المذكور ، ثم اشتق من الدمغ بمعنى الإبطال لفظة الدامغة بمعنى المبطلة فجعل هذه الاستعارة التبعية تخييلا لما أضمر من تشبيه المذاهب الزائغة بالأشخاص المذكورة . وهذا التشبيه المضمر في النفس هو الاستعارة بالكناية عند الخطيب الدمشقي .