تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
نعم كبؤس وابوس .
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
استعار الذوق لإدراك أثر
شرح
فقوله تعالى :آمِنَةًإشارة إلى الأمن وقوله :مُطْمَئِنَّةًإشارة إلى الصحة وقوله :يَأْتِيها رِزْقُهاإشارة إلى الكفاية . والمفهوم من كلام المصنف أن يكون الاطمئنان أثر الأمن ولازمه من حيث إن الخوف يوجب الانزعاج وينافي الاطمئنان . ثم إنه تعالى زاد على هذه النعم المذكورة في حق أهل مكة حيث بعث فيهم رسولا من أنفسهم ينذرهم عما يوجب العذاب الأليم ويدعوهم إلى النعيم المقيم ، فكفروا به وبالغوا في إيذائه فسلط اللّه عليهم البلاء وابتلاهم بالجوع سبع سنين وقطعت عنهم العرب الميرة بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى جهدوا وأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب الميتة ، والعلهز وهو الوبر الذي يعجن بالدم ، وابتلاهم اللّه تعالى بالخوف حيث كان عليه الصلاة والسّلام يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . قوله : ( استعار الذوق ) لما كان في الآية إشكال من حيث إن اللّه تعالى أوقع الإذاقة على اللباس مع أن اللباس ليس مما يدرك بالذوق ، ثم أضاف اللباس إلى الجوع والخوف وليس لهما لباس ، فكيف صحت إضافة اللباس إليهما ؟ أشار المصنف إلى دفع الإشكال المذكور بأن جعل الذوق مستعارا لإدراك أثر الضرر بأن شبه إدراك الإنسان أثر ما يضره بإحساس طعم الشيء المر بالفم الذي هو الذوق ، فأطلق على المشبه الذي هو أمر عقلي اسم المشبه به وهو الذوق . وجعل اللباس مستعارا لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف بأن شبه ما يغشى الإنسان ويلتبس به من أثر الجوع والخوف باللباس الحقيقي ، والجامع بينهما كونهما مشتملين على الإنسان وغاشيين له . ثم أطلق اسم اللباس على ما يغشى الإنسان من أثرهما وجعل إضافته إليهما قرينة صارفة عن إرادة المعنى الحقيقي فكل واحد من الإذاقة واللباس استعارة مغايرة لاستعارة الآخر . ثم أوقعت الإذاقة المستعارة على اللباس المستعار بأن جعل اللباس مفعولا للإذاقة بالنظر إلى المستعار له يعني أن الإذاقة بمعنى الإصابة والإيصال وإن لم تكن ملائمة للمعنى الذي استعير منه اللباس لكنها ملائمة للمعنى الذي استعير له اللباس وهو أثر الخوف والجوع الذي يغشى الإنسان كما يغشاه اللباس ، فأوقعت الإذاقة بمعنى الإصابة على اللباس . فإطلاق الإذاقة بمعنى الإصابة أو الإيصال على اللباس بالمعنى المجازي بطريق التجريد لكونها ملائمة لما هو أثر الجوع والخوف ، فإن الاستعارة على ثلاثة أقسام : مطلقة ومجردة ومرشحة ، فالمطلقة ما لم تقرن بصفة مما يلائم المستعار له أو المستعار منه ، والاستعارة المجردة ما قرنت بما يلائم المستعار له كقوله : غمر الرداء أي كثير العطايا . استعير الرداء للعطاء من حيث إنه يصون عرض صاحبه كما يصون الرداء ما يلقى عليه ، ثم وصف الرداء بالغمر الذي يلائم العطاء دون المعنى المستعار منه ، وهو الرداء الحقيقي تجريد . والاستعارة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 333 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين