قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين ووجىء بحربة في قبلها وقالوا : إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت ، وقتلوا ياسرا وهما أول قتيلين في الإسلام . وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها فقيل : يا رسول اللّه إن عمارا كفر . فقال : « كلا إن عمارا ملىء إيمانا من فرقه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه » فأتى عمار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يبكي فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يمسح عينيه فقال : « مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت » وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه ، لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال : رسول اللّه . قال : فماذا تقول فيّ ؟ فقال : أنت أيضا . فخلاه . وقال للآخر : ما تقول في محمد ؟ قال : رسول اللّه . قال : فما تقول فيّ ؟
قال : أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أما الأول قد أخذ برخصة اللّه وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له » .
ذلِكَ
إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد
بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
بسبب أنهم آثروها عليها
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
( 107 ) أي الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصمهم من
شرح
مجاهد أنه قال : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر وحباب وصهيب وبلال وعمار وسمية رضوان اللّه عليهم أجمعين . أما الرسول فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه ، وأخذوا الآخرين وألبسوهم أدرع الحديد ثم أجلسوهم في الشمس فبلغ منهم الجهد بحر الحديد والشمس وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم وشتم سمية ثم طعن بالحربة في فرجها . وقال الآخرون ما قالوا لهم غير بلال فإنهم جعلوا يعذبونه ويقول : أحد أحد حتى ملوه فتركوه . قال عمار : كنا نتكلم بالذي أرادوا غير بلال هانت عليه نفسه فتركوه .
وقال حباب : لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري . قال الإمام : قوله تعالى :فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌمعناه أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ، ثم وصف ذلك العذاب فقال :وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌإذ لا أعظم من جرمه لأن الغضب لكونه من الكيفيات النفسانية المستحيلة في حقه تعالى يراد غايته وهي العذاب . فيكون فائدة قوله :وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌتوصيف ذلك بالعظم . قوله : ( أي الكافرين في علمه ) فالمعنى أنه تعالى لا يهدي إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصم من الزيغ والميل عن الحق من علم اللّه أنه يختار الكفر وأن يموت عليه . وإذا كان كل واحد من إيثار الأمور الدنيوية وعدم هدايتهم إلى ما يوجب الثبات على الحق سببا للكفر بعد تبين الحق وقبوله ، يكون سببا لما يترتب عليه من العذاب العظيم .
ثم إنه تعالى بيّن طريق عدم هدايتهم إلى ما يوجب الثبات على الحق بقوله :أُولئِكَ الَّذِينَ