أجورهم
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
أي وجعلها مثلا لكل قوم أنعم اللّه عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا فأنزل اللّه بهم النقمة أو لمكة .
كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
لا يزعج أهلها خوف
يَأْتِيها رِزْقُها
أقواتها
رَغَداً
واسعا
مِنْ كُلِّ مَكانٍ
من نواحيها
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع
شرح
عنه قال لكعب الأخبار : خوفنا . قال : يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت في القيامة بعمل سبعين نبيا لأتت عليك أمارات وأنت لا يهمك إلا نفسك ، وإن لجهنم زمزمة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه حتى إبراهيم خليل الرحمن يقول : يا رب لا أسألك إلا نفسي وأن تصديق ذلك قوله تعالى :يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها[ النحل : 111 ] ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها والسعي في خلاصها .
قوله : ( أي وجعلها ) إشارة إلى أن « ضرب » عدى إلى مفعولين أولهما « القرية » الموصوفة وثانيهما « مثلا » لتضمين ضرب معنى جعل . فإن ضرب المثل اعتماله ووضعه من ضرب اللبن والخاتم ، فلا يتعدى إلا إلى مفعول واحد فلما عدي ههنا إلى مفعولين احتيج إلى اعتبار التضمين . والمراد بالقرية أهلها بقرينة ما أسند إليها من كفران النعم والجوع والخوف وقوله :بِما كانُوا يَصْنَعُونَلما هدّد اللّه تعالى الكفار بالوعيد الشديد الواقع في الآخرة هددهم أيضا بآفات الدنيا وهي الوقوع في الجوع والخوف . واعلم أن المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان الشيء موجودا أو لم يكن لأن المثل إنما يضرب لترغيب المكلف في الاتّصاف بتلك الصفة أو لتنفيره عنها ، ولا مدخل في ذلك الترغيب والترهيب لتحقق تلك الصفة في شيء بعينه كما مر في قوله :وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها[ النحل : 92 ] وقد يضرب بشيء معين فالمقصود ضرب القرية الموصوفة مثلا سواء كان ترهيب كل قوم أنعم اللّه عليهم فكفروا فأنزل اللّه تعالى بهم نقمته ، أو ترهيب كفار مكة بخصوصهم . ولا يلزم أن تكون القرية الموصوفة الممثل بها قرية من قرى الأولين بل قرية كانت حالها كذلك فضربها اللّه مثلا لأهل مكة ، أو لكل قوم شأنهم كشأن أهل مكة وأن لا يكون موجودا في قرى الأولين مثلها بل يقدر قرية على هذه الصفة فيضرب بها المثل . ثم إن أهل مكة قد ابتلاهم اللّه تعالى بما ذكر من المحن فإنهم كانوا آمنين لا تغار عليهم العرب بل كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم لكونهم أهل حرم اللّه مع أنهم كانوا يغير بعضهم على بعض وكانوا مطمئنين في بلدهم من حيث إن ذلك البلد كان ملائما لأمزجتهم ، فاطمأنوا إليه واستقروا فيه من غير اضطراب وانزعاج وكان يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان . وهذه النعم الثلاث جمعها من قال :ثلاثة ليس لها نهاية * الأمن والصحة والكفاية