فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب أو الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة أو الكاذبون في قولهم
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
[ النحل : 101 ]
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
شرح
اندفاعه على تقدير أن تكون إشارة إلى قريش ظاهر . لأنهم لما نسبوا الكذب والافتراء إليه عليه الصلاة والسّلام بقولهم :إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍقلب اللّه تعالى ذلك الأمر عليهم وجعل قوله :إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَمقدمة كلية يتفرع عليها المقصود كأنه قيل :
إنهم لا يؤمنون بآيات اللّه وكل من لا يؤمن بها فهم الذين يفترون الكذب ، فقريش هم المفترون الكاذبون لا أنت فلا استدراك . ووجه اندفاعه على تقدير أن تكون الإشارة إلى قوله :إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُلعنادهم ومكابرتهم أنهم كانوا يعاندون بآيات اللّه ويكابرونه ويكذبون مع علمهم أنها آيات اللّه ، لأن مضمون الجملة الأولى عاما ، ويحتمل أن يكون في قوم علم اللّه أنهم لا يؤمنون بآيات اللّه ويموتون عليه . فمن علم اللّه منه ذلك لا يهديه إذ افتراء الكذب لا يصدر إلا من الذين لا يؤمنون بآيات اللّه ولا يصدر عمن آمن بها ، لأن خوف العقاب إذ يردعه عنه . ومضمون الثانية خص الجماعة الذين يعرفهم المخاطب بأنهم الكاذبون من الذين كفروا بآيات اللّه على أن يكون تعريف الكاذبين للعهد الخارجي . وأشار المصنف إليه بقوله : « هم الكاذبون على الحقيقة » وإن كان التعريف الذي فيه تعريف الجنس والحقيقة بأن يكون الكاذبون إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة الكاذبين وخصوصياتهم ، يكون مضمون الثانية خص تلك الحقيقة بهم مبالغة كما في قولك :
عمر والشجاع أي الكامل في الشجاعة تبرز الكلام في صورة توهم أن الشجاعة منحصرة فيه لا تتجاوزه إلى غيره لعدم الاعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال . فكذا الحال في قوله تعالى :وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَوإليه أشار بقوله : « أو الكاملون في الكذب » . وعلى التقديرين تفيد الجملة الثانية غير ما تفيده الأولى فلا استدراك . وكذا إن أريد بالثانية أولئك الذين عادتهم الكذب واستمروا عليه بناء على أنه عبر عن المسند في الجملة الأولى بلفظ الفعل الدال على الحدوث وعدم الدوام ، وفي الثانية عدل إلى الجملة الدالة على الاستمرار .
والوجه الرابع لاندفاع الاستدراك أن ما أثبت للذين كفروا في الجملة الأولى هو مطلق الكذب وما أثبت لهم في الثانية هو الكذب المخصوص الواقع في قولهم :إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍوإِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌوفي الآية دليل على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش ، لأن كلمة « إنما » للحصر فدلت على أن الكذب والفرية لا يقدم عليه إلا من كان كافرا بآيات اللّه وهذا تهديد عظيم . روى الإمام محيي الدين : والسنة في تفسيره أن عبد اللّه بن جراد قال : قلت :
يا رسول اللّه المؤمن يزني ؟ قال : « قد يكون ذلك » قلت : المؤمن يسرق ؟ قال : « قد يكون ذلك » قلت : المؤمن يكذب ؟ قال : « لا قال اللّه تعالى :إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَالذيلا يُؤْمِنُونَ