اللفظ لأن ذاك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى هو معجز من حيث اللفظ ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة فكيف يعلم جميع ذلك من غلام سوقي سمع منه بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية تعلمها لم يعرف معناها . وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم .
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
لا يصدقون أنها من عند اللّه
لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ
إلى الحق أو إلى سبيل النجاة . وقيل :
إلى الجنة .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 104 ) في الآخرة هددهم على كفرهم بالقرآن بعد ما أماط شبهتهم ورد طعنهم فيه ثم قلب الأمر عليهم فقال :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
لأنهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه .
وَأُولئِكَ
إشارة إلى الذين كفروا أو إلى قريش .
هُمُ الْكاذِبُونَ
( 105 ) أي الكاذبون على الحقيقة أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات اللّه والطعن
شرح
المبينة الواضحة لا تؤخذ ممن لا تعرف لغته ولسانه . والثاني أنّا سلمنا أنه أخذ تلك المعاني باستماع الكلام الأعجمي الذي لا يفهمه هو ولا أنتم لكن لا نسلم أنه أخذ منه لفظ القرآن أيضا لأن لفظه لكونه في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة يمتنع أن يكون كلام البشر . ثم أشار إلى بطلان ذلك بوجوه أخر : الأول أن تعلم ما في القرآن من العلوم الكثيرة والمعاني الدقيقة لا يتأتى أن يحصل في بعض أوقات مرور المتعلم على المعلم بل يحتاج إلى ملازمته مدة متطاولة ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أنه عليه الصلاة السّلام تعلم من فلان وفلان ولم يتفوه بذلك أحد سواهم . والثاني أن تعلم تلك العلوم الكثيرة المتعلقة بأحوال جميع المكلفين في السنين لا يتصور إلا من معلم بلغ في غاية الفضل والتحقيق إلى حيث يكون مشار إليه بالبنان ويخضع له أهل الدنيا بأجمعهم ، فكيف يذهب الوهم إلى تعلمها من غلام سوق يدعى بعبد فلان باستماع كليمات أعجمية تعلمها لم يعرف معناها ؟
قوله : ( وأولئك إشارة إلى الذين كفروا ) لأنهم المذكورون بقوله :الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَأو إلى قريش لأن سياق الكلام فيهم لأنهم هم الذين قالوا :إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍوقالوا :إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌوالمشار إليه على الأول وإن كان متناولا لقريش وغيرهم إلا أنهم يدخلون فيه دخولا أوليا . ولما ورد أن يقال : إنه تعالى أثبت افتراء الكذب للذين لا يؤمنون حيث قال :إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَفما فائدة قوله بعد ذلك :وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ؟أليس هو مستدركا خاليا عن الفائدة ؟ نبه بهذا الكلام على وجه يندفع به الاستدراك ووجه