يطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة بخلاف الكافر فإنه إن كان معسرا فظاهر ، وإن كان موسرا لم يدع الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه .
وقيل : في الآخرة .
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 97 ) من الطاعة
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
إذا أردت قراءته كقوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
[ المائدة : 6 ]
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
( 98 ) فاسأل اللّه أن يعيذك من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة . والجمهور على أنه للاستحباب . وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل . وعن ابن مسعود :
شرح
قوله : ( وقيل في الآخرة ) لعل وجه ضعفه أنه تعالى عقبه بقوله :وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَولا شبهة في أن المراد به ما يكون في الآخرة فينبغي أن تحمل الحياة الطيبة على ما يكون في الدنيا . وأيضا لو حمل الحياة الطيبة على ما يكون في الآخرة لزم أن لا يعذب المؤمن الذي عمل عملا واحدا من الأعمال الصالحة بعذاب الآخرة أصلا لأن من عذب بقدر ذنوبه كيف يصح أن يقال في حقه أنه تعالى أحياه حياة طيبة في الآخرة ؟
فإن قوله :مَنْ عَمِلَ صالِحاًيصدق على من أتى بعمل واحد مما يكفي في إجراء حكم الإسلام عليه ، وذلك لا يستلزم أن لا يعذب أصلا بل أمره منوط بمشيئة اللّه تعالى إن شاء عذبه بقدر ذنوبه وإن شاء عفا عنه ، فإن مصيره على التقديرين إلى الجنة بخلاف ما لو حملت على ما يكون في الدنيا فإن من عمل عملا واحدا مما يصح أن يجري عليه حكم الإسلام بسببه يكون حياته في الدنيا طيبة يسلم في نفسه وماله ويستقل في أموره ، وأدنى مراتب طيب حياته في الدنيا أن يسلم في نفسه ، ثم إنه يجزي في الآخرة بعمله ذلك . قيل : الحياة الطيبة في الدنيا عبادة اللّه تعالى مع أكل الحلال . وقيل القناعة لأنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع . وأما الحريص فإنه يكون أبدا في الكد والعناء ولا شك أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لأن المؤمن يعرف أن رزقه إنما حصل بتدبير اللّه تعالى ويعرف أنه محسن كريم لا يفعل إلا الصواب فيكون راضيا بكل ما قضاه وقدر لعلمه بأن مصلحته في ذلك ، والكافر لا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والعناء . وأيضا المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة التقلب فلو لا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه ، فلا جرم لا يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها . ثم إنه تعالى لما ذكر أنه يجازي على الأعمال الصالحة اتبعه بالإرشاد إلى طريق تخلص به الأعمال عن وساوس الشيطان وهو الاستعاذة باللّه من الشيطان الرجيم وإلقائه الوساوس في كل قلب ، خص قراءة القرآن بالذكر من بين الأعمال الصالحة لأنها داعية إلى كل عمل صالح من الأعمال القلبية والقالبية فكانت بذلك