قرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم فقال : « قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ » .
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ
تسلّط وولاية
عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
( 99 ) على أولياء اللّه تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ولذلك أمروا بالاستعاذة . فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطانا .
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ
شرح
رأس الأعمال الصالحة . ولما كانت الفاء في قوله :فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِللتعقيب دل ظاهر الآية على أن تكون الاستعاذة بعد قراءة القرآن كما ذهب إليه جماعة من الصحابة والتابعين وقالوا :
إنه لو لم يأت بالاستعاذة بعد القراءة لربما يوسوس إليه الشيطان إنك قد أتيت من العمل الصالح ما يمحو اللّه تعالى به ذنوب كذا وكذا سنة فيعتمد على عمله فيضيع ثواب قراءته .
وأما إذا استعاذ بعد القراءة فحينئذ تندفع الوساوس ويبقى الثواب الموعود مصونا عن الحلل .
إلا أن الأكثر من علماء الصحابة والتابعين قد اتفقوا على أن الاستعاذة متقدمة على القراءة وقالوا : معنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ باللّه وليس معناه استعذ بعد القراءة .
ونظير قوله تعالى :إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا[ المائدة : 6 ] وقولك : إذا أكلت فقل بسم اللّه ، وإذا سافرت فتأهب . وقد روى أئمة القراءة مسندا عن نافع عن جبير بن مطعم أنه عليه الصلاة والسّلام كان يقول قبل القراءة : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » . وعن معقل بن يسار أنه عليه الصلاة والسّلام قال : « من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم . وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ، وكّل اللّه به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي » وفي « شرح الشاطبية » : اجمع القرآن وجمهور الفقهاء على أن الاستعاذة حال الشروع في القرآن . ودل الحديث على أن التقديم هو السنة ونفي سببية القراءة لها . والفاء فيفَاسْتَعِذْلما دلت على السببية قدرت الإرادة ليصح معنى السببية . قوله : ( أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ ) هكذا رواه القراء في كتب القراءة . وينبغي أن لا يكون المراد بالقلم القلم الأعلى لأنه متقدم في الرتبة على اللوح بالنص ، وإنما يراد به القلم الذي نسخ به من اللوح ونزل به جبريل عليه الصلاة والسّلام إلى سماء الدنيا . قوله : ( لئلا يتوهم منه أن له سلطانا ) فإن قارىء القرآن لما أمر بأن يسأل اللّه تعالى أن يعيذه من وسواسه توهم منه أن له تسلطا وولاية على إغواء بني آدم كلهم ، فنفى اللّه تعالى أنه لا تسلط له على المؤمنين باللّه والمتوكلين عليه بعصمة اللّه تعالى إياهم عن طاعته وقبول وسوسته . فقوله تعالى :إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌالآية في معرض التعليل للأمر بالاستعاذة وإشارة إلى أن الاستعاذة المأمور بها ليست عبارة عن مجرد القول الفارغ عن