الإنعام عليهم . والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم
شَرابٌ
يعني العسل لأنه مما يشرب . واحتج به من زعم النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فيستحيل في باطنها عسلا ثم تقيء ادّخارا للشتاء . ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وتضعها في بيوتها إدخارا فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل . فسر البطون بالأفواه .
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
أبيض وأصفر وأحمر وأسود
شرح
على طريق الأمر التكليفي إظهارا لكمال قدرته ووحدانيته وتخلص منه إلى خطاب الناس وامتنانه بما أنعم عليهم بخلق النحل وإلهامه لأجل انتفاعهم . والظاهر أن توجه الأمر والتكليف إلى البهائم كما في هذه الآية ، وفي قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ[ النمل : 18 ] على طريق التمثيل . شبه خلق اللّه تعالى إياها على غرائز وطبائع توجب ما أسند إليها من الأحوال بأمرها وتكليفها فعبّر عن المشبه بلفظ المشبه به وإن كان لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول تصلح بها لأن يتوجه إليها من اللّه تعالى أمر ونهي . ثم إن كانت النحل نوعين : أحدهما ما يسكن الجبال ، والغياض جمع غيضة ولا يكون تحت تصرف أحد من الناس . وثانيهما ما يسكن في بيوت الناس وما يعرشونه أي يبنونه ويرفعونه من سقوف البيت ويكون في تصرفهم . فالأول هو المراد بقوله تعالى :اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِوالثاني هو المرد بقوله تعالى :وَمِمَّا يَعْرِشُونَأي يعرشه الناس . والعرش سرير الملك ، وعرش البيت سقفه ، والعرش والعريش ما يستظل به وعرش يعرش عرشا أي بنى بيتا من خشب . والمراد بما يعرشه الناس ههنا إما ما يبنونه لأنفسهم من البيوت ويؤمر النحل بأن تتخذ بعضها منها بيوتا تعسل فيها ، وإما ما يبنونه للنحل من الأماكن وهي خلايا النحل .
قوله : ( واحتج به ) أي بقوله تعالى :يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهااعلم أنهم اختلفوا في كيفية حصول العسل ؛ فالمشهور أن النحل تأكل من الأزهار والأوراق العطرة فما أكلته ينقلب في جوفها وداخل بدنها عسلا ، ثم تقيء إدخارا للشتاء وذلك هو العسل . ومنهم من يقول :
يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي فيقع على أوراق الأشجار والأزهار وقد يكون كثيرا يجتمع منه أجزاء محسوسة كالترنجبيل وقد تكون الأجزاء الطلية صغيرة لطيفة ، فالنحل تلتقط تلك الذرات اللطيفة من الأزهار والأوراق بأفواهها وتتغذى بها ، فإذا شبعت التقطت شيئا آخر من تلك الذرات وذهبت بها إلى بيوتها كأنها تدخر بها غذاءها للشتاء ، فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير من تلك الأجزاء الطلية ينعقد عسلا . ومال الإمام إلى هذا المذهب وقال : إنه أقرب إلى العقل والاستقراء . ومال المصنف إلى ما هو المختار عند المحققين من الحكماء حيث قال : أولا فاسلكي أي ادخلي ما أكلت في أجوافك التي تحيل النور المر عسلا ، وهو تصريح بأن ما أكلته النحل إنما ينقلب عسلا في أجوافها ومنافذها كلها لا في خلاياها