ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
من كل ثمرة تشتهيها مرها وحلوها
فَاسْلُكِي
ما أكلت
سُبُلَ رَبِّكِ
في مسالكه التي يجعل فيها بقدرته النور المر عسلا من أجوافك ، أو فاسلكي الطرق التي ألهمك في عمل العسل . أو « فاسلكي » ، راجعة إلى « بيوتك » « سبل ربك » لا تتوعر عليك ولا تلتبس
ذُلُلًا
جمع ذلول وهي حال من السبل أي مذللة ذللها اللّه تعالى وسهلها لك . أو من الضمير في « اسلكي » أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به .
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها
عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل
شرح
يقدر عليها المهندسون إلا بالآلات والأنظار الدقيقة . قوله : ( من كل ثمرة تشتهيها ) إشارة إلى أن الاستغراق المدلول عليه بقوله :مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِالمراد به الاستغراق العرفي كما في قوله تعالى :وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ[ النمل : 23 ] فإن بلقيس لم تؤت جميع ما يطلق عليه اسم الشيء بل المراد أنها أوتيت من كل شيء أوتي الملوك إياه . فقوله تعالى :أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاًثم قوله :كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِفيه طباق وهو الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة لأنه أورد في الأول « من » التبعيضية وفي الثاني كلمة « كل » وفيه إرشاد لها إلى وجوه العمل وترتيبه حيث سخرها اللّه تعالى لأن تسوي البيت ثم تأخذ من كل ثمرة جزءا للجرس للعسل . قوله : ( فاسلكي ما أكلت في مسالكه ) أي التي هي أجوافك وعروقك على أن قوله :فَاسْلُكِيأمر من سلكت الشيء في الشيء فانسلك أي أدخلته فيه فدخل ، وهو متعد ولهذا قدر قوله : « ما أكلت » ليكون مفعولا . والسبل مجاز عن مسالك الغذاء وهي الأجواف والعروق فقوله : « من أجوافك » بيان للمسالك وقوله : « أو فاسلكي الطرق » على أن قوله :
« فاسلكي » لازم من السلوك و « السبل » مجاز والمراد سبل عمل العسل وقوله : فاسلكي راجعة على أن فاسلكي لازم والسبل حقيقة والمراد سبل الرجوع إلى البيوت . فهذه ثلاثة أوجه . أي إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة عن بيوتك فاسلكي سبل ربك راجعة إلى بيوتك . والجرس أكل النحل وهو في الأصل صوت النحل عند الأكل . سمي أكلها جرسا لأنها تصوت عند الأكل . وزاد صاحب الكشاف احتمالا رابعا وهو أن يكون المراد بالسبل سبل الذهاب إلى طلب الثمار ويكون المعنى : ثم اقصدي أكل الثمار فاسلكي في طلبها ومظانها سبل ربك ، ولعل الوجه في عدم التفات المصنف إليه كونه مستلزما لأن يكون قوله :ثُمَّ كُلِيبمعنى ثم اقصدي أكل الثمار . والفاء فيفَاسْلُكِيعلى ما هو الوجه الأول للعطف والتعقيب .
وعلى الوجوه الأخر جواب شرط محذوف أي إذا أكلتها فاسلكي . قوله : ( وأنت ذلل ) جمع الخبر مع أن المبتدأ مفرد لأن الخطاب في قوله تعالى :فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِلجنس النحل بدليل قوله تعالى :وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِوقد أشار المصنف إليه بقوله : « وتأنيث الضمير على المعنى » يعني أن الجنس في معنى الجماعة . قوله : ( عدل به عن خطاب النحل )