تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
ألهمها وقذف في قلوبها . وقرىء « إلى النحل » بفتحتين .
أَنِ اتَّخِذِي
بأن اتخذي . ويجوز أن تكون « أن » مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول وتأنيث الضمير على المعنى فإن النحل مذكر .
مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
( 68 ) ذكر بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش من كرم أو سقف ، ولا في كل مكان منها . وإنما سمي ما تبنيه لتعسل فيه بيتا تشبيها ببناء الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة ولعل ذكره للتنبيه على ذلك . وقرىء « بيوتا » بكسر الباء للياء ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر « يعرشون » بكسر الراء .
شرح
قوله : ( ألهمها وقذف في قلوبها ) أي سخرها وقرر في نفوسها هذه الأعمال التي يعجز عنها العقلاء من البشر وإن كانوا في غاية الذكاء والكياسة . وقوله : « وقذف » عطف تفسير لقوله : « ألهمها » فإن إلهام البهائم أن يسخرها اللّه تعالى وينشئها على طبائع يصدر عنها ما يصدر من الأحوال الغريبة من غير أن يعلمها أحد كسباحة الأوز وطيران الطير في الهواء بطبعهما من غير تعلم . ومعنى كون الفعل طبيعيا أن لا مدخل للاختيار فيه لا كون الطبيعة مؤثرة فيه إذ لا مؤثر إلا اللّه تعالى . قال القرطبي : الإلهام هو ما يخلق اللّه تعالى في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر قال تعالى :وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها[ الشمس : 7 ، 8 ] ومن ذلك البهائم وما يخلقه اللّه تعالى فيها من إدراك منافعها واجتناب مضارها وتدبير معايشها . ألا ترى حذاقة النحل في صنعتها وبنائها البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض ؟ فإنها لو كانت مربعة بقيت منها فرج ضائعة عند دخولها فيها ولو كانت مستديرة بقيت الفرج التي بين البيوت ضائعة . والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل هذه البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطرة والبركار ، وبالجملة لو كانت تلك البيوت مشكلة بما عدا الشكل المسدس من الإشكال لبقي في داخلها ، أو فيما بينها فرج خالية ضائعة . فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الصنعة المشتملة على الحكمة اللطيفة وإخراج العسل منه في ذلك من غير تفكر وسابق تدبير دليل على أن أحدا ألقى في قلوبها كما يلقي الشيطان وسوسته . ويلهم الملك بني آدم أشياء من غير أن علموا أن أحدا دعاهم إلى ذلك أو ألقى في قلوبهم لأنها لما وقعت في قلوبها من غير أن يسبق منها فكر وتدبير علم أن هناك ملقيا . وإخراج العسل المصفى من لعابه دليل قاطع وبرهان ساطع على أن لهذا العالم إلها قادرا عليما حكيما يفعل ما يشاء . قوله : ( ولعل ذكره ) ذكر أولا أن البيت هنا مستعار لمحل النحل تشبيها له بما يبنيه الإنسان ويبيت فيه من الأبنية في اشتماله على حسن الصنعة وصحة القسمة . ثم قال : لعل النكتة في سلوك الاستعارة التنبيه على ما في محل العسل من الصنائع العجيبة التي لا