تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته . و « من » الأولى تبعيضية لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية كقولك : سقيت من الحوض لأن بين الفرث والدم المحل الذي يبتدئ منه الأسقاء وهي متعلقة بنسقيكم أو حال من لبنا قدمت عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة .
خالِصاً
صافيا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث أو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه .
سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
( 66 ) سهل المرور في حلقهم . وقرىء « سيغا » بالتشديد والتخفيف .
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ
متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما . وقوله :
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً
استئناف لبيان الإسقاء أو تتخذون . و « منه » تكرير للظرف تأكيدا أو خبر لمحذوف صفته « تتخذون » أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمرا تتخذون منه وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف الذي هو العصير أو لأن الثمرات بمعنى الثمر والسكر مصدر سمي به الخمر .
شرح
جاذبة للسوداء ، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية حتى يبقى الدم صافيا أي الصافي الموافق لما تقدم منه في البدن ، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة الحاصلة فيها لا يمكن إلا بتقدير العليم الحكيم . والثالث أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لعموم أعضاء ذلك الولد وازدياده فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي يتولد منه اللبن الذي يكون له غذاء ، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي بل ينصب إلى جميع بدن المغتذي ، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصبابا موافقا للحكمة والمصلحة لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل المختار الحكيم . والرابع أنه تعالى جعل الثقوب والمسام التي أحدثها في حلمة الثدي ضيقة جدا بحيث إذا اتصل المص والحلب بتلك الحلمة لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى محبوسة في الداخل فكانت حلمة الثدي بسبب ضيق المنافذ كالمصفاة ، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصا موافقا لبدن الصبي سائغا للشاربين . والخامس أنه تعالى ألهم ذلك الصبي وهداه إلى المص فإن الأم لما ألقمت حلمة الثدي للطفل الصغير ألهمه ذلك العمل المخصوص وإلا لما حصل بتخليق ذلك اللبن في الثدي فائدة . وإلى غير ذلك من غرائب الحكم ودقائق الفضل والرحمة . فسبحان من شهد جميع ذرات الأعلى والأسفل بكمال قدرته وبدائع حكمته له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين . قوله : ( والسكر مصدر ) سكر يسكر سكرا وسكرا سمى به الخمر تسمية للشيء باسم مسببه . فإن