مع ذلك وهو
أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
أي عند اللّه تعالى كقوله :
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] وقرىء الكذب جمع كذوب صفة للألسنة .
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ
رد لكلامهم وإثبات لضده
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
( 62 ) مقدمون إلى النار من أفرطته في طلب الماء إذا قدمته ، وقرأ نافع بكسر الراء على أنه من الإفراط في المعاصي .
وقرىء بالتشديد مفتوحا من فرطته في طلب الماء ومكسورا من التفريط في الطاعات .
شرح
يخصصوا برذائل الأموال ، وأن يخص شركاؤهم في رياستهم بكرائم الأموال . ثم إنهم يجعلون للّه تعالى جميع هذه المكروهات عندهم فإنهم يسمون الملائكة بنات اللّه ويثبتون له شركاء في ألوهيته ويستخفون برسله ويجعلون له أرذل أموالهم وللأصنام أكرمها . قوله : ( مع ذلك ) الجعل المشتمل على القول والفعل القبيحين . الجمهور على أن « الكذب » منصوب على أنه مفعول به « وأن لهم الحسنى » بدل منه بدل كل من كل أي تصف وتبين ألسنتهم معنى كاذبا غير مطابق للواقع وهو أن لهم الحسنى عند اللّه في الآخرة . فإن قيل : كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة ؟ أجيب بأن جميعهم لم ينكروا القيامة بل كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة حتى روي أنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه .
وأجيب أيضا بأن حكمهم بذلك لا يستلزم اعتقادهم بالبعث والقيامة لجواز أن يكونوا منكرين لها طبعا ويكون حكمهم بذلك مبنيا على الفرض والتقدير بأن يقولوا : إن كان محمد صادقا في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بهذا الدين الذي نحن عليه . ويؤيد هذا الجواب ما حكاه اللّه تعالى عنهم بقوله :وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى[ فصلت : 50 ] فإن كلمة « إن » إنما تستعمل في الأمور المحتملة التي لا قطع بتحققها .
والأصل أن فريقا من الكفار يدعي الاشتراك مع المؤمنين في نعيم الآخرة كما كان لهم اشتراك معهم في نعيم الدنيا كقوله تعالى :أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ[ الجاثية : 21 ] ومنهم من ادعى أن نعيم الآخرة لأنفسهم خاصة وأن النار للمؤمنين لما يرون أكثر المؤمنين على الفقر والقلة ، ويرون أنفسهم أصحاب السعة في أنواع الأموال . فيحتمل أن يكون قوله تعالى :وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنىواردا في حق الذين ادعوا أن الجنة لأنفسهم خاصة ثم كذبهم اللّه تعالى في قولهم بأن لهم الحسنى فقال :لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَأي حقا أن لهم النار . وقيل لا رد لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا وزعموا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول ، فعلى هذا يكون « أن » مع ما في حيزه في محل النصب بوقوع الكسب عليه .
قوله : ( من أفرطته في طلب الماء إذا قدمته ) وهو منقول بالهمزة من فرط إلى كذا أي