وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
كانت خزاعة وكنانة يقولون : إن الملائكة بنات اللّه
سُبْحانَهُ
تنزيه له من قولهم أو تعجب منه .
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
( 57 ) يعني البنين .
ويجوز فيما يشتهون الرفع بالابتداء والنصب بالعطف على
« الْبَناتِ »
على أن الجعل بمعنى الاختيار وهو إن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف .
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى
أخبر بولادتها
ظَلَّ وَجْهُهُ
صار أو دام النهار كله
مُسْوَدًّا
من الكآبة والحياء من الناس . واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير .
وَهُوَ كَظِيمٌ
( 58 ) مملوء غيظا من المرأة
يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ
شرح
ما يشتهون ، والثاني أن يكون رفعا على الابتداء لأنه تم الكلام عند قوله سبحانه ثم ابتدأ فقال :وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَيعني البنين وهو كقوله :أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ[ الطور : 39 ] ثم اختار الوجه الثاني لأنه لو كان في محل النصب ينبغي أن يقال : ولأنفسهم ما يشتهون لأنك تقول : جعل لنفسه كذا وكذا ولا تقول : جعل له . وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول وقل : « ما » في موضع رفع لا غير والتقدير : ولهم الشيء الذي يشتهون ولا يجوز النصب لأن العرب تقول : جعل لنفسه ما يشتهي ولا تقول : جعل له ما يشتهي وهو معنى لنفسه .
انتهى ما ذكره الإمام بعبارته . والحاصل أن الممتنع هو اتحاد ضمير الفاعل مع ضمير المفعول بأن يكونا عبارتين عن شيء واحد فلا يمتنع أن يقال : زيد ضرب نفسه وضرب نفسه زيد إذ لامتناع اتحاد الضمير شرطا آخر وهو أن يكون كل واحد من الضميرين متصلا إذ لو كان ضمير المفعول منفصلا جاز اتحاده مع الضمير المرفوع نحو : زيد ما ضرب إلا إياه .
والمصنف فرّق بين اتحاد ضمير الفاعل مع ضمير المفعول المذكور ابتداء وبين اتحاده مع ضمير المفعول المذكور معطوفا على ضمير المفعول المرفوع بالابتداء ، وجعل الممتنع هو الاتحاد على الوجه الأول دون الوجه الثاني . قوله : ( أخبر بولادتها ) يعني التبشير ههنا بمعنى الإخبار مطلقا وإن كان في عرف اللغة مختصا بالإخبار بالخبر الذي يفيد السرور ، والإخبار بولادة الأنثى لما لم يفد السرور حمل على مطلق الإخبار . قوله : ( صار أو دام النهار كله ) يعني أن ظلول الشيء على صفة قد يعبر به عن كونه عليها في تمام النهار ، وقد يكون بمعنى صيرورته عليها مطلقا . وعلى التقديرين يكون« ظَلَّ »من الأفعال الناقصة « ووَجْهُهُ »اسمها « ومُسْوَدًّا »خبرها . قوله : ( واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير ) التشوير التخجيل يقال : شور به فتشور أي أخجله فخجل إذا فعل به ما يستحي منه . والمناسب التشور بدل التشوير ، ولعله سهو من قلم الناسخ . وقوله : « كناية عن الاغتمام » لكون اسوداده وغبرته من لوازم الغم كما أن إشراقه واستنارته من لوازم الفرح ، فإن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط روح قلبه إلى الأطراف فيستبشر وجهه وإذا قوي غمه تختفي الروح في داخل قلبه فلا يبقى منها