على « وقال الذين أشركوا » إيذانا بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه زيادة في البت على فساده ، ولقد رد اللّه تعالى عليهم أبلغ رد فقال :
بَلى
يبعثهم
وَعْداً
مصدر مؤكد لنفسه وهو ما دل عليه « بلى » فإن يبعث موعد من اللّه تعالى
عَلَيْهِ
إنجازه لامتناع الخلف في وعده أو لأن البعث مقتضي حكمته
حَقًّا
صفة أخرى للوعد
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 38 ) أنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من واجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها ، وإما لقصر نظرهم على المألوف فيتوهمون امتناعه . ثم إنه تعالى بيّن الأمرين فقال :
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ
أي يبعثهم ليبين لهم
الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
وهو الحق
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ
( 39 ) فيما كانوا يزعمون وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضي
شرح
محذوف أيضا فتكون الآية نظير قوله تعالى :مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ[ الأعراف : 186 ] وقوله :فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ[ الجاثية : 23 ] أي من بعد إضلال اللّه تعالى إياه وهو أبلغ في نفي الهداية عنه . قوله : ( أنكروا البعث مقسمين عليه ) وجعلوا إنكاره ذريعة إلى إنكار النبوة لأنه عليه الصلاة والسّلام إنما يدعو إلى طاعة اللّه تعالى ورعاية حدوده وتكاليفه بسبب ترغيبه في ثواب الآخرة ، والترهيب من عقابه الكائنين بعد البعث . فإذا بطل القول بالبعث بطل نبوة من دعا إلى الإقرار به لكونه داعيا إلى الباطل . ثم إنهم ادعوا البديهة في إنكارهم البعث وقالوا : الإنسان ليس إلا هذه البنية المخصوصة فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه لأن الشيء إذا عدم وفني ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه ، فالذي يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول لا عينه . وأشاروا إلى ادعائهم ضرورة ذلك الإنكار بالأقسام واليمين ولم يصرحوا بتفريع بطلان القول بالنبوة على بطلان القول بالبعث لكون تفرعه عليه جليا مستغنيا عن التصريح . قوله : ( مصدر مؤكد لنفسه ) فإن « وعدا » معنى مضمون الجملة التي دل عليها « بلى » وتلك الجملة لا محتمل لها من المصادر إلا ذلك المصدر الذي هو الوعد . فقوله : « وعدا » يؤكد الوعد المدلول عليه « ببلى » واللام في قوله : « ليبين » متعلق بالفعل المقدر بعد حرف الإيجاب أي : بلى يبعثهم ليبين لهم بالبعث الذي اختلفوا فيه مع المؤمنين وذهبوا فيه إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون .
قوله : ( بيّن الأمرين ) بيّن أولا أن البعث مقتضى الحكمة فإن الحكمة تقتضي التمييز بين المحق والمبطل وبين المظلوم والظالم بمجازاة كل أحد على حسب عمله ، وذلك التمييز لا يكون إلا بالبعث والجزاء ، وقد مر أن البعث من توابع التكليف ومقتضياته . ثم بيّن إمكان البعث وأن أقسامهم على نفيه وإنكاره إنما نشأ من قصر نظرهم على ما ألفوه من استمرار