وتحريم البحائر ونحوها محتجين بأنها لو كانت مستقبحة لما شاء اللّه صدورها عنهم ولشاء خلافه ملجئا إليه لا اعتذارا إذ لم يعتقد ، وأقبح أعمالهم وفيما بعده تنبيه على الجواب من الشبهتين .
كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
فأشركوا باللّه وحرموا حله وردوا رسله
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
( 35 ) إلا الإبلاغ الموضح للحق وهو إن لم يؤثر في هدى من شاء اللّه هداه لكنّه يؤدي إليه على سبيل التوسط ، وما شاء اللّه وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقا بل بأسباب قدّرها له . ثم بيّن أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سببا لهدى من أراد اهتداءه وزيادة الضلال لمن أراد ضلاله كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه بقوله تعالى .
شرح
المعنى فقال :وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَفبيّن تعالى بهذا المعنى أن سنة اللّه في عبيده الإرسال إليهم وأمرهم بعبادة اللّه ونهيهم عن عبادة الطاغوت . ثم قال :فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُوالمعنى أنه تعالى وأن أمر الكل بالإيمان ونهى الكل عن الكفر والعصيان ، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض فهذه سنة قديمة للّه تعالى مع عباده ، ويحسن منه ذلك بحكم كونه إلها منزها عن اعتراضات المعترضين . فثبت أنه تعالى إنما حكم على هؤلاء الكفار باستحقاق الخزي واللعن لا لأنهم كذبوا في قولهم : ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍبل لأنهم قالوا ذلك بناء على اعتقادهم أنه لو كان الأمر كذلك لامتنع جواز بعثة الأنبياء والرسل وتكليف العباد بالأوامر والنواهي ، فلا جرم استحقوا على هذا الاعتقاد مزيد الذم واللعن . فهذا هو الجواب الصحيح في أمثال هذه الشبهات . قوله : ( وما شاء اللّه وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقا بل بأسباب قدّرها له ) لما كانت خلاصة شبهة الكفار أن تعلق مشيئة اللّه كافية في تحقق الحوادث فأي حاجة إلى بعثة الرسل ؟ أشار تعالى بقوله :فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُإلا أن المؤثر في حصول الاهتداء ليس إلا اللّه تعالى ولا تأثير فيه لتبليغ الرسل إلا أن له مدخلا فيه من حيث توسطه بينه تعالى وبين المكلفين ، وتعلق مشيئة اللّه تعالى بوجود الحوادث وأن يوجبها إلا أنها لا تعلق لها بوجود شيء منها إلا عند تحقق أسبابها العادية التي من جملتها سعي المكلف ومباشرته لأسباب حصولها بإخبار الأنبياء بالنسبة إلى اهتداء من اهتدى وضلالة من ضل . فإن كون الدنيا دار تكليف والكسب والاختيار يستدعي أن تجعل الحوادث مرتبطة بالأسباب العادية وذلك من كمال الحكمة الإلهية وإلا فلا حاجة إلى توسط الأسباب في نفاذ قدرته ومشيئته فأي واسطة في حصول أمور الآخرة ؟ فما أنكر عليه الشرع قبيح شرعا وواقع بقدرة اللّه تعالى ومشيته عند كسب العبد واختياره إياه فمنهم من هدى اللّه ومنهم من حقت عليه الضلالة . يعني : فمنهم من هداه اللّه إلى الإيمان واتباع الحق ومنهم من أضله عن الحق