مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم صفتهم التي هي مثل في الغرابة ، أو قوله :
أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ
وهي على الأول جملة مستأنفة لبيان مثلهم ، وقيل :
« أَعْمالُهُمْ »
بدل من المثل والخبر
« كَرَمادٍ »
اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
حملته وأسرعت الذهاب به . وقرأ نافع « الرياح »
فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
العصف اشتداد الريح وصف به زمانه للمبالغة كقولهم : نهاره صائم وليله قائم . شبه صنائعهم من الصدقة وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وعتق الرقاب ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة اللّه تعالى والتوجه بها إليه أو أعمالهم للأصنام برماد طيرته الريح العاصفة .
لا يَقْدِرُونَ
يوم القيامة
مِمَّا كَسَبُوا
من أعمالهم
عَلى شَيْءٍ
لحبوطه فلا يرون له أثرا من الثواب وهو فذلكة التمثيل .
ذلِكَ
إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون
هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
( 18 ) فإنه الغاية في البعد عن طريق الحق
أَ لَمْ تَرَ
خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد به أمته . وقيل : لكل واحد من الكفرة على التلوين .
أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
بالحكمة والوجه الذي يحق أن يخلق عليه . وقرأ حمزة والكسائي « خالق السماوات »
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
( 19 ) يعدمكم ويخلق خلقا آخر مكانكم . رتب ذلك على كونه خالقا للسماوات والأرض استدلالا به عليه فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم ، ثم كونهم بتبديل الصور وتغيير الطبائع قدر أن يبدلهم بخلق آخر ولم يمتنع عليه ذلك كما قال :
وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
( 20 ) بمتعذر أو متعسر فإنه قادرا لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ومن هذا شأنه كان حقيقا بأن يؤمن به ويعبد رجاء لثوابه وخوفا من عقابه يوم الجزاء .
شرح
بالمبتدأ وليست نفسه حتى يستغنى بها عن رابط ؟ قلنا : إنها ليست نفس المبتدأ لفظا بل هي نفس المبتدأ معنى ، فإن نفس مثلهم هو نفس أعمالهم كرماد في أن كلا منهما لا يفيد شيئا ولا يبقى له أثر فهي كالجملة الواقعة خبرا عن ضمير الشأن ، والمراد بأعمالهم المشبهة . أما المبرات التي عملوها غير مقرونة بالإيمان . وأما ما زعموه نافعا من عبادة الأصنام إذ الكفار لا ينتفعون بشيء منهما ، أما بالثاني فظاهر وأما بالأول فلعدم ابتنائه على الأساس . ومن الظاهر المعلوم أنه إذا صح تشبيه كل واحد من القسمين بالرماد الموصوف صح تشبيه كلا القسمين به أيضا فلا فائدة يعتد بها في الترديد . ووجه المشابهة بين هذه الأعمال وبين الرماد الموصوف هو أن الريح العاصف يطير الرماد ويفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر ، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر . ثم إنه تعالى لما مثّل أعمالهم بالرماد الموصوف وبيّن أن الكفر يضيع الأعمال التي