تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
فَلَمَّا أَفَلَ
أي غاب
قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
( 76 ) فضلا عن عبادتهم فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية .
شرح
يكون حادثا يحتاج في وجوده إلى فاعل مختار يوجده فيكون ممكنا وسلسلة الممكنات لا بد أن تنتهي إلى الواجب وهو الإله المستحق للعبادة . ثم رأى القمر بازغا فقال : هذا ربي واتبعه بصره حتى غاب ، ثم طلعت الشمس هكذا الخ . وقيل : إنه كان في السرب سبع سنين . وقيل : ثلاث عشرة سنة . وقيل : سبع عشرة سنة . قالوا : فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه : من ربي ؟ قالت : أنا . قال : فمن ربك ؟ قالت : أبوك . قال : فمن رب أبي ؟ قالت له : اسكت . ثم رجعت إلى زوجها فقالت : أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك . ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه آزر فقال له إبراهيم : يا أبتاه من ربي ؟ فقال : أمك . قال : فمن رب أمي ؟ قال : أنا . قال : فمن ربك ؟ قال : نمرود . قال : فمن رب نمرود ؟ فلطمه لطمة وقال له : اسكت . فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا قال : هذا ربي إلى آخر القصة . واختلفوا في قوله فأجراه بعضهم على الظاهر وقالوا : كان إبراهيم مسترشدا طالبا للتوحيد واليقين بالنظر والاستدلال على نفسه فلم يضره ذلك في حال الاستدلال ، وأيضا كان ذلك في طفوليته قبل قيام الحجة عليه فلم يكن كفرا . ذكر صاحب التيسير نقلا عن جماعة من أهل الكلام أن هذا كان منه في وقت لم يكن جرى عليه القلم فلم يكن كفرا وهو ما قاله المصنف وإنما قاله زمان مراهقته وأول أوان بلوغه ، فلا يكون هذا الكلام من إبراهيم إرشادا لقومه وتنبيها على ضلالتهم . ويؤيده قوله تعالى :وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ[ الأنعام : 75 ] على تقدير أن يكون قوله تعالى :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ[ الأنعام : 76 ] الآية تفصيلا لما قبله من الإراءة والتبصير . قوله : ( فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الإمكان والحدوث ) بيان لوجه الاستدلال بالأفول على عدم الألوهية وذلك لأن الأفول يقتضي شيئين : الحركة والاحتجاب بالأستار وكل واحد منهما يقتضي ما ينافي الألوهية وهو الإمكان والحدوث ، فإن كل متحرك جسم محل للحوادث والجسم محتاج إلى حيزه فيكون ممكنا . وأيضا ما يكون محدثا يكون مفتقرا إلى الموجد فيكون ممكنا وما لا يخلو عن الحوادث يكون محدثا وما يكون كذلك لا يكون إلها لأن الإله هو الموجود الذي ينقطع عنه سلسلة الاحتياج كما قال :وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى[ النجم : 42 ] وكذا الاحتجاب بالأستار يقتضي الإمكان والحدوث إذ لا شك أن ما احتاج في انبساط نوره وبقاء سلطانه إلى ارتفاع الحجاب يكون ممكنا محتاجا إلى الغير وكل ممكن محدث بالضرورة . وبالجملة أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار فذلك القادر هو الإله المستحق للعبادة دون
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 81 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين