تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
فأراد أن ينبّههم على ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال . وجن
شرح
أنهم كلهم محتجبون عنا بالسموات فلا جرم اتخذوا تماثيل أنيقة المنظر حسنة الرواء والهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن ويقولون : إنها هيكل الإله وصورا أخرى معجبة دون الصورة الأولى ويجعلونها على صور الملائكة ، ثم يواظبون على عبادتها قاصدين بتلك العبادة الزلفى من اللّه تعالى ومن الملائكة . والوجه الثالث أن القوم يعتقدون أن اللّه تعالى فوّض تدبير كل واحد من هذه الأقانيم إلى ملك بعينه وفوض تدبير كل قسم من أقسام العالم إلى روح سماوي بعينه فيقولون : مدبر البحار ملك ، ومدبر الجبال ملك آخر ، ومدبر الغيوم والأمطار ملك ، ومدبر الأرزاق ملك ، ومدبر الحروب والمقاتلات ملك آخر . فلما اعتقدوا ذلك تخذوا لكل واحد من أولئك الملائكة صنما مخصوصا وهيكلا معينا ويطلبون من كل صنم ما يليق بذلك الروح الفلكي من الآثار والتدبيرات . وذكر وجوه أخر في منشأ غلطهم كلها باطل . والحق أنه إله واحد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وليس له شريك في تدبير ملكه تعالى عن ذلك علوا كبيرا . ولما كان حاصل دين عبدة الأصنام القول بآلهية الكواكب حكى اللّه تعالى عن الخليل عليه الصلاة والسّلام استجهال أبيه آزر وقومه في اتخاذهم الأصنام آلهة ثم إقامته الدليل على أن شيئا من الكواكب لا يصلح للآلهية والمعبودية . قوله : ( فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ) اختلف المفسرون في أن المقصود مما حكاه اللّه تعالى عن إبراهيم من الاستدلال على وحدانية اللّه تعالى وإبطال ألوهية ما سواه هل هو نظره واستدلاله في نفسه وتحصيل المعرفة لنفسه ؟ أو مقصوده إلزام القوم وإرشادهم إلى طريق النظر والاستدلال وتنبيههم على ضلالهم في أمر دينهم ؟ واختار المصنف الثاني لأن قوله :لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَيدل على أنه كان عارفا بأن له ربا يستحق العبادة ومنه الهداية وأن قومه على الضلال ، ويشعر بأن محاجته كانت مع منكر مبالغ في الإنكار حيث احتيج إلى القسم ، فإن اللام في قوله : « لئن » موطئة للقسم وفي « لأكونن » جواب قسم . ومما يدل عليه أنه عليه الصلاة والسّلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل أنه تعالى أخبر عنه قال لأبيه قبل هذه الواقعةأَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[ الأنعام : 74 ] ويدل عليه أيضا أنه قال تعالى :وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ[ الأنعام : 75 ] أي وليكون بسبب تلك الأدلة من الموقنين ثم قال بعده :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ[ الأنعام : 76 ] والفاء تقتضي التعقيب فدلت الفاء في قوله :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُعلى أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه . ويدل عليه أيضا أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال :وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ[ الأنعام : 83 ] ولم يقل على نفسه فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع