عليه الليل ستره بظلامه ، والكوكب كان الزهرة أو المشتري وقوله :
هذا رَبِّي
على سبيل الوضع فإن المستدلّ على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكرّ عليه بالإفساد أو على وجه النظر والاستدلال وإنما قاله زمان مراهقته أو أوّل أوان بلوغه .
شرح
قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد لا لأجل أن إبراهيم يستدل به لتحصيل سبيل المعرفة واليقين لنفسه .
قوله : ( وقوله هذا ربي على سبيل الوضع ) أي على سبيل التسليم صورة لا على سبيل الإخبار عن معتقده لئلا يلزم صدور الكفر عن النبي قبل البعثة فإن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع ، ولا يجوز الكفر على الأنبياء بالإجماع . فإن قومه لما ذهبوا إلى أن الكواكب ربهم وإلههم ذكر إبراهيم مقالتهم بعبارتهم ليذكر عقيبه ما يدل على فساده وهو قوله :لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ[ الأنعام : 76 ] . قوله : ( أو على وجه النظر والاستدلال ) عطف على سبيل الوضع . قال أهل التفسير : ولد إبراهيم في زمن نمرود بن كنعان وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له : إنه يولد في بلدك في هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه . ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء . وقيل : رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعا شديدا فدعا السحرة والكهنة فسألهم فقالوا : هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه . فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته تلك السنة وحبس كل امرأة حبلى وجدت في ناحيته عنده إلا أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية حديثة لم يعرف الحبل ببطنها فلما دنت ولادة إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته في نهر يابس ، ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ثم رجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت في موضع كذا ، فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع . وكانت أمه تختلف إليه فترضعه فقالت ذات يوم : لأنظرن إليه ما يفعل ، فوجدته يمص من أصبع ماء ومن أصبع لبنا ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا ومن أصبع سمنا . وكان لليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في السرب إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه : أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض وقال : إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله سواه . ثم نظر في السماء فرأى كوكبا قال : هذا ربي .
ثم اتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال : لا أحب الآفلين . لأن الآفل يزول أثره وسلطانه فلا يصلح إلها . ولأن الآفل لكونه متحركا يكون محلا للحوادث فلا يكون إلها وما