وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ
هو عطف بيان لأبيه وفي كتب التواريخ أن اسمه تارح . فقيل : هما علمان له كإسرائيل ويعقوب . وقيل : العلم تارح وآزر .
شرح
قوله : ( وفي كتب التواريخ أن اسمه تارح ) قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين في أن اسمه تارح صح بالحاء المهملة سماعا حتى إن بعض الملاحدة تمسك بإجماعهم وجعله ذريعة إلى الطعن في القرآن قائلا : إن نسبة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إلى آزر خطأ .
فالمصنف أشار إلى دفع الطعن بما نقله بقوله : « فقيل » . وقيل : وإجماع النسابين لا عبرة به في مقابلة صريح القرآن لأن ذلك الإجماع إنما انعقد بأن قلد بعضهم بعضا وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد أو الاثنين مثل وهب وكعب ونحوهما ، وربما يتعلقون بما يحدث به من أخبار اليهود والنصارى . ولو سلم أن اسمه كان تارح فهو لا يمنع أن يسمى بآزر أيضا لأنه قد يسمى شخص واحد باسمين مختلفين كإسرائيل ويعقوب ، فيحتمل أن يكون اسمه الأصلي آزر وكان تارح لقبا له فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم فاللّه تعالى ذكره باسمه الأصلي . ويحتمل أن يكون بالعكس ، ويجوز أن لا يكون آزر اسما له بل يكون لفظا دالا على صفة الذم كالمخطئ والضال والمعوج . كأنه قيل : وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ الضال تعييبا له بكفره وانحرافه عن الحق . وقيل : إنه بمعنى الشيخ الهرم بلغة أهل خوارزم .
قال الإمام : زعمت الشيعة أن أحدا من آباء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأجداده ما كان كافرا وأنكروا كون والد إبراهيم كافرا . وقالوا : إن آزر كان عم إبراهيم والعم قد يسمى بالأب ، ألا ترى أن يعقوب لما قال لبنيه :ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً[ البقرة : 133 ] فسموا إسماعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له .
وقال عليه الصلاة والسّلام : « ردوا على أبي العباس » . وهو عمه عليه الصلاة والسّلام واحتجوا على قولهم إن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا بوجوه منها : قوله تعالى :الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ[ الشعراء : 218 ، 219 ] قيل معناه إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد فعلى هذا تكون الآية دالة على أن جميع آباء سيدنا محمد عليه الصلاة والسّلام كانوا مسلمين فيجب القطع أن والد إبراهيم كان مسلما وقوله عليه الصلاة والسّلام : « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » . وقد قال : « إنما المشركون نجس » وذلك يوجب أن يقال : إن أحدا من أجداده ما كان من المشركين فلزم منه أن لا يكون والد إبراهيم مشركا . وقد ثبت أن آزر كان مشركا فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان شخصا آخر غير آزر . فإن قيل : إن قوله تعالى :وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَيحتمل وجوها أخر ؛ أحدها أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الليلة على بيوت أصحابه لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على طاعة أصحابه فوجدها كبيوت الزنابير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم