قوله :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
[ الكهف : 42 ] والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال وتوصيف اليوم بالإحاطة وهي صفة العذاب لاشتماله عليه .
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
صرح الأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيها على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بزيادة لا يتأتى دونها .
بِالْقِسْطِ
بالعدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان فإن الازدياد إيفاء وهو مندوب غير
شرح
والموزون . قوله : ( لاشتماله عليه ) أي لاشتمال اليوم على ما هو واقع فيه من العذاب وتوصيف زمان الشيء بصفة ذلك الشيء مجاز مشهور كقوله :هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ[ هود : 77 ] . قوله : ( صرح الأمر بالإيفاء ) دفع لما يتهم من أن هذه الآية وكذا ما بعدها تكرار لقوله :وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَووجه الدفع أن قوله :وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَنهي عن ضد الشيء وقوله :أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَأمر بإيفاء الشيء ، وهو العدل والنهي عن ضد الشيء مغاير للأمر به . ثم إنهما وإن كانا متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر إلا أن ذكر أحدهما عقب الآخر في حكم التكرير . ولا شك أن التكرير يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام ، وأيضا النهي عن شيء لما توقف على كونه فعلا اختياريا للمنهي كان النهي عبارة عن طلب الكف عن مباشرته عمدا وكان التطفيف سهوا أي نسيانا غير مناف للعمل بمقتضى قوله تعالى :وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَمن حيث إن الساهي والناسي لم يباشرا تنقيص حق الغير عمدا ، إلا أن شعيبا عليه الصلاة والسّلام لم يكتف بتكليفهم بالامتناع عن التطفيف عمدا بل كلفهم أيضا بالسعي في إيفاء الحق أي إعطائه تاما كاملا وإن استلزم ذلك أن يعطي قدرا زائدا على الحق حتى يخرج عن العهد بيقين ، لكن إعطاء الزيادة ليس بمأمور به لقوله :بِالْقِسْطِفإنه حال من فاعلأَوْفُواولما وجب أن يكون المأمور به مما يدخل تحت القصد والاختيار كان معنىأَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَاسعوا في إعطاء الحق على وجه التمام والكمال بحيث يحصل لكم اليقين بالخروج عن العهدة ملتبسين بالعدل والتسوية ، فالمأمور به هو الإيفاء بطريق الازدياد فإنه مندوب غير مأمور به وقد يكون محظورا وذلك إذا كان المعقود عليه من الأموال الربوبية . واعلم أن العلماء اختلفوا في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أو لا ، وكذا النهي عن شيء هل هو أمر بضده أو لا ؟ فذهب إمام الحرمين والغزالي رحمهما اللّه تعالى إلى أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده ولا يقتضيه عقلا . وقال القاضي أبو إسحق : إنه نهي عن ضده . وإليه ذهب الإمام في « المعالم » والقاضي في « المنهاج » . وقال القاضي أبو إسحق : والنهي كذلك أي إن النهي عن الشيء أمر بضده . وكذا يقتضيه عقلا لأن النهي عن الفعل طلب ضد الفعل فيكون أمرا بالضد .