تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
حتى أنكروا البعث
وَذَكِّرْ بِهِ
أي بالقرآن
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ
مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترهن بسوء عملها . وأصل الإبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه ، والباسل الشجاع لامتناعه
شرح
الوجه الثاني هو دين الإسلام بخصوصه ، وعلى الوجه الأول مطلق ما يصدق عليه مفهوم قولنا ما ينبغي أن يتدينوا به . والثالث أن المراد بالدين العيد الذي يعاد إليه كل حين معهود سمي العيد دينا مجازا لأن العيد مبني على العادات والدين العادة ، فإنه تعالى قد جعل لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر اللّه تعالى والناس كلهم من المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه اللّه حيث جعلوه يوم الصلاة والتكبير وفعل الخيرات وحضور الجماعات وصدقة الفطر ونحر الضحايا . وهذه الوجوه كلها مبنية على أن يكون « اتخذوا » متعديا إلى مفعولين أولهما « دينهم » وثانيهما « لهوا ولعبا » ويحتمل أن يكون متعديا إلى واحد على أن يكون « اتخذوا » بمعنى اكتسبوا وعملوا فيكون قوله : « لعبا ولهوا » على هذا مفعولا من أجله أي اكتسبوه لأجل اللهو واللعب وهو الحظوظ العاجلة الدنيوية . فإن أرباب العقل واليقين إنما يتمسكون بالدين لأجل أنه قام البرهان القاطع على أنه هو الحق والصواب ، وأنه لنيل مرضاة اللّه تعالى هو الباب . وأما الذين في عقولهم سخافة فإنهم يتوسلون بأعمال الدين إلى أخذ المناصب والرياسة والتعيش بين الأنام وجمع الأموال فإنهم يتمسكون بالدين للدنيا وقد حكم اللّه تعالى على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو فمن توسل بدينه إلى دنياه فقد اتخذ دينه لأجل اللعب واللهو . فإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة . واعلم أنه تعالى أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يترك من كان موصوفا بوصفين الوصف الأول أن يتخذوا دينهم لعبا ولهوا ، والوصف الثاني أن يغتروا بالحياة الدنيا ويتوهموا أن ما أعطوا فيها من الجاه والمال وسلامة القوى والأعضاء إنما هو لكرامتهم على اللّه تعالى فاطمأنوا بذلك إلى الحياة الدنيا وأعرضوا عن الاهتمام برعاية حقوق الدين وأداهم ذلك إلى أن أنكروا البعث والحساب . قوله : ( مخافة أن تسلم إلى الهلاك ) على أن يكون « أن تبسل » في محل النصب على أنه مفعول له . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : أن تبسل نفس بما كسبت أي ترهن في جهنم بما كسبت في الدنيا . وقال مجاهد : تسلم للهلكة بأن تمنع من مرادها وتخذل . وقال قتادة : تحبس في جهنم . ومعنى الآية ذكرهم بالقرآن كراهة احتباسهم في نار جهنم بسبب جنايهم . قوله : ( لأن فريسته لا تفلت ) أي لأن ما افترسه من الصيد لا يتخلص منه فلتة أي فجأة فلما كان أصل الإبسال والبسل المنع صح استعمال الإبسال في معنى الإسلام إلى الهلاك ، لأن الإسلام إلى الهلاك يستلزم المنع فإنه إذا أسلم أحد إلى