امْرَأَتَكَ
استثناء من قوله : « فأسر بأهلك » ويدل عليه أنه قرىء فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا أمرتك » وهذا إنما يصح على تأويل الالتفات بالتخلف ، فإنه إن فسر بالنظر إلى الوراء في الذهاب ناقض ذلك قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالرفع على البدل من أحد . ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين في أنه خلفها مع قومها أو أخرجها فلما سمعت صوت العذاب التفتت وقالت : يا قوماه فأدركها حجر فقتلها ، لأن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة والأولى جعل الاستثناء في القراءتين من قوله : لا يلتفت مثله في قوله تعالى :
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ
[ النساء : 66 ] ولا بعد أن يكون أكثر القراء على غير « إلا » فصح ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات بل عدم نهيها عنه استصلاحا . ولذلك علله
شرح
قوله تعالى :إِلَّا امْرَأَتَكَاستثناء من الأهل واستلزم ذلك المناقضة بين القراءتين المتواترتين على أن قراءة الرفع على البدلية من أحد تستلزم أن تخرج المرأة مع جملة أهله ولا تكون منهية عن التفات كما نهى باقي أهله عنه ، ولا شك أن خروجها معهم بدون كونها منهية عن التفات مناقض لعدم خروجها معهم ، والقراءة المقطوع بصحتها لا يجوز حملها على المعاني المتفاوتة المتناقضة . أشار إلى دفع المناقضة بينهما بقوله : « والنهي في اللفظ لأحد » وفي المعنى للوط عليه الصلاة والسّلام ، لأن مكالمة الملائكة إنما هي مع لوط فيكون معنى كلامهم : لا تدع منهم أحدا يلتفت ويتخلف عن السرى إلا امرأتك فدعها وخلها وشأنها .
ولا شك أن هذا المعنى لا يناقض استثناءها من الأهل . ثم بيّن أن هذا الجواب مبني على أن يأول الالتفات بالتخلف لأنه إذا فسر بالنظر إلى الوراء تكون المناقضة باقية بحالها سواء جعل النهي لأحد أو للوط عليه الصلاة والسّلام . وجعل صاحب الكشاف اختلاف القراءتين لأجل اختلاف الروايتين وصحة استثناء مبنية عليه فاسد قطعا لأن الروايتين متناقضتان يمتنع اجتماع مدلولهما ، وكل واحدة من القراءتين متواترة ثابتة قطعا . روي عن ابن الحاجب أنه قال : التفسير باطل ، يعني جعل القراءة بالرفع محمولة على الاستثناء والبدل من قوله تعالى :وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ[ هود : 81 ] وقراءة النصب محمولة على الاستثناء من الموجب وهو قوله تعالى :فَأَسْرِ بِأَهْلِكَفإن القراءتين ثابتتان قطعا فيمتنع حملهما على الوجهين إذ أحدهما باطل قطعا والقضية واحدة : فهو إما أن يكون سرى بها أو ما سرى بها ، فإن كان قد سرى بها فليس مستثنى إلا من قوله تعالى :وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌوإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله تعالى :فَأَسْرِ بِأَهْلِكَوقد ثبت أن أحد التأويلين باطل قطعا فلا يصار إليه في إحدى القراتين الثابتتين قطعا أي لا يجوز حملهما على ما يوجب بطلان مقتضى إحداهما . وأجيب عنه بمنع أن الاستثناء من الأهل يقتضي أن لا يكون لوط عليه الصلاة والسّلام مأمورا بالإسراء بها وبمنع أنها ما سرت بنفسها ، ويكفي لصحة الاستثناءين هذا