قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
منكرين عليها فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل فضلا عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات . و
« أَهْلَ الْبَيْتِ »
نصب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم :
اللهم اغفر لنا أيتها العصابة
إِنَّهُ حَمِيدٌ
فاعل ما يستوجب به الحمد
مَجِيدٌ
( 73 ) كثير الخير والإحسان .
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ
أي ما أوجس من الخيفة واطمأن قلبه بعرفانهم
وَجاءَتْهُ الْبُشْرى
بدل الروع
يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ
( 74 ) يجادل رسلنا في شأنهم ومجادلته إياهم قوله : إن فيه لوطا وهو إما جواب لما جيء به مضارعا
شرح
والأول سوء أدب وسوء ظن بهم لا أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، وكذا الثاني لأن محصول المجادلة حينئذ أن يطلب منهم مخالفة أمر اللّه تعالى وهذا منكر . إلا أنه تعالى مدحه في تلك المجادلة بقوله :إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌولو كانت المجادلة الواقعة منه عليه الصلاة والسّلام مذمومة لما مدحه بهذا المدح العظيم . قال المفسرون في بيان مجادلته معهم عليه الصلاة والسّلام : إنهم لما قالوا لإبراهيم : إنا مهلكوا أهل هذه القرية . قال لهم : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم ؟ قالوا : لا . قال : وأربعون .
قالوا : لا . قال : فما زال ينقص ويقولون لا حتى قال : فواحد قالوا : لا . قال : فاحتج عليه بلوط عليه الصلاة والسّلام وقال : إن فيها لوطا قالوا : نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله .
فهذا صورة جدال إبراهيم عليه الصلاة والسّلام مع الرسل عليهم الصلاة والسّلام في شأن قوم لوط عليه الصلاة والسّلام . فاللّه تعالى مدحه في جداله هذا فقال :إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌوالحليم هو الذي لا يتعجل في مكافأة من يعاديه ويؤذيه ومن كان كذلك فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير . فلما رأى مجيء الملائكة لإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسّلام عظم حزنه وأخذ يتأوه ، فوصفه اللّه تعالى بأنه منيب لأن من ظهرت منه هذه الشفقة العظيمة على الخلق فإنه يتوب ويرجع إلى اللّه عز وجل في إزالة ذلك العذاب ولأن من لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فبأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها أولى ولا طريق إلى تخليص النفس من الوقوع في عذاب اللّه تعالى إلا بالتوبة والإنابة . قوله : ( جيء به مضارعا ) مع أن جواب « لما » ينبغي أن يكون ماضيا لكونها موضوعة للدلالة على وقوع أثر في الماضي لوقوع غيره فيه يقال : لما جاء زيد جاء عمرو . فأجاب عن وقوعه مضارعا بوجوه أربعة : الأول أنه جيء به مضارعا على حكاية الحال الماضية . والثاني أن المضارع الواقع في سياق جواب « لما » يكون بمعنى الماضي بأن ترده « لما » إلى معنى الماضي كما ترد كلمة « لو » ما وقع في حيزها من المضارع إلى معنى الماضي كقولك : لو فعلت كذا ليقال لك : كذا ، أو كما ترد