مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
بإحسانه وبرّه .
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة والرياسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد .
وقرىء « يوف » بالياء أي يوف اللّه وتوف على البناء للمفعول ونوفي بالتخفيف والرفع لأن الشرط ماض كقوله :
وإن أتاه كريم يوم مسغبة * يقول لا غائب مالي ولا حرم
وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
( 15 ) لا ينقصون شيئا من أجورهم . والآية في أهل الرياء . وقيل : في المنافقين . وقيل : في الكفرة بربهم .
شرح
قوله : ( بإحسانه وبره ) يعني أن هذه الآية سواء نزلت في المؤمنين الذين عملوا الصالحات مرآة للخلق ، أو المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزواتهم مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها ، أو في الكفار الذين يعملون أعمالهم في صورة الأعمال الصالحة من البر وصلة والرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار ، يكون معناها من كان يريد بما عمله من أعمال البر والإحسان التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها من ثناء الخلق عليه في الدنيا ونحو ذلك ، فإن جزاء عمله يصل إليه في الدنيا تاما كاملا ولا ينتفع أحد من هؤلاء الطوائف المذكورة في الآخرة بشيء من الأعمال التي أراد بها الحظوظ العاجلة ولا يستحق بها إلا النار . أما المنافقون والكفار فظاهر لأنهم مخلدون في النار ، وأما المراؤون من المؤمنين فلأن العمل إنما يكون عبادة بشرط الإخلاص ومن رأى به لم يخلصه للّه تعالى بل عمله طلبا لزينة الدنيا ورياء وسمعة وقد استوفى ما تقتضيه صورة عمله الصالح من المنافع التي أرادها بعمله ولم يبق له إلا أوزار عزائمه القبيحة فاستحق أن يعذب بها ، فإن شاء ربه أن يعذبه أو يعفو عنه فعل ذلك . فقوله تعالى :لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُإن كان نازلا في حق المرائين من المؤمنين يقتضي بظاهره أن يخلد أهل الرياء في النار وليس كذلك ، فلا بد من تقييده بأن يقال : ليس لهم في الآخرة بسبب أعمالهم الريائية إلا النار إلا أن يتجاوز اللّه عنهم . وليس في الآية ما يدل على أن لا محالة يعذب وإنما يدل على أنه لا يستحق بسببها إلا النار .
والمراد بالإطلاق المذكور بقوله : « مطلقا » إطلاق المشار إليه بقوله :أُولئِكَوهو من كان يريد الحياة الدنيا كائنا من كان من الطوائف الثلاث . وقوله : « في مقابلة ما عملوا » إشارة إلى ما ذكرنا من وجوب التقييد في حق المرائي من المؤمنين . روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أشد الناس عذابا يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه » . وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا أنه قال : « إذا كان يوم القيامة يؤتى برجل قرأ جميع القرآن فيقال له : ما عملت فيه ؟ فيقول :