مطلقا . ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين . والضمير في « لم
يَسْتَجِيبُوا »
« لمن استطعتم » أي فإن لم يستجيبوا لكم إلى المظاهرة لعجزهم وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة ، فاعلموا أنه نظم لا يعلمه إلا اللّه وأنه منزل من عنده وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة ؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر .
شرح
أنزل القرآن ملتبسا بما لا يعلمه إلا اللّه من نظم معجز للخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه . ويجوز أن تكون مصدرية أو موصولة اسما ل « أن » وخبرها الجار بعدها فالتقدير :
واعلموا أن تنزيله أو أن الذي أنزل ملتبسين بعلم . واختار المصنف الكافة . قال الإمام : فإن قلت : أي تعلق بين الشرط المذكور في هذه الآية وبين ما فيها من الجزاء ؟ وأجاب بأن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على اللّه فقال اللّه تعالى : قل لهم : لو كان مفترى على اللّه لوجب أن يقدر الخلق عليه ولما لم يقدروا عليه ثبت أنه من عند اللّه فقوله :أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِكناية عن كونه من عند اللّه ومن قبله كما يقول الحاكم : جرى بعلمي قوله : ( ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين ) وذلك لأن الآية المتقدمة اشتملت على خطابين : أحدهما خطاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو قوله تعالى :قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِوالثاني خطاب الكفار وهو قوله تعالى : فأتوا وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَفي ادعاء الافتراء . فلذلك جاز في خطاب « لكم » وجهان : الأول ما مر من أنه خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين أو للرسول خاصة على جهة التعظيم ، والمعنى : أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان بما يماثله فاعلموا أي فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وهو أنه منزل من عند اللّه الذي لا إله إلا هو . والوجه الثاني أنه خطاب للكفار والمعنى : الذين تدعونهم من دون اللّه إن لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة فاعلموا أيها الكفار أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم اللّه فهل أنتم مسلمون بعد لزوم الحجة عليكم ؟ والقائلون بهذا القول قالوا :
هذا القول أولى من القول الأول لأنكم في القول الأول احتجتم إلى أن حملتم قوله :فَاعْلَمُواعلى الأمر بالثبات أو على إضمار القول ، وعلى هذا القول لا حاجة إلى الإضمار فكان أولى ، ولأن أقرب المذكورين هو الكفار فمرجع الضمير إليهم أولى . قوله :
( وفي مثل هذا الاستفهام ) يعني أن قوله تعالى :فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَوإن كان لفظه استفهاما إلا أن معناه إيجاب أمر بليغ لا الاستفهام لما ذكره من الدليل . فإن قلنا : إنه خطاب مع المؤمنين كان معناه إيجاب الثبات على الإسلام في زيادة الإخلاص ، وإن قلنا : إنه خطاب مع الكفار كان معناه إيجاب أصل الإسلام عليهم وترغيبهم في التفكير فيما يوجبه من الحجة القاطعة .