مبالغ في كفران ما سلف له من النعمة .
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ
كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم . وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى .
لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي
أي المصائب التي ساءتني
إِنَّهُ لَفَرِحٌ
بطر بالنعم مغتربها
فَخُورٌ
( 10 ) على الناس مشغول عن الشكر والقيام بحقها . وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في لفظ الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة ، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء لأن الذوق إدراك الطعم والمس مبدأ الوصل .
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
على الضراء إيمانا باللّه تعالى واستسلاما لقضائه .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
شكرا لآلائه سابقها ولاحقها .
أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم
وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
( 11 ) أقله الجنة . والاستثناء من الإنسان لأن المراد به الجنس فإذا كان محلى
شرح
الأولى ، لأنه إذا تقدم الفرع فأولى أن يقدم الأصل . ثم إنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد وأن يحيق بهم ذكر بعده ما يدل على كفرهم وعلى كونهم مستحقين العذاب فقال :وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَفقيل : المراد به مطلق الإنسان بدلالة استثناء قوله :إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوامنه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه فدلالة الاستثناء المذكور في هذه الآية تدخل فيه المؤمن والكافر . وقيل : المراد به الكافر لأن الأصل في المعرف بلام التعريف أن يشار به إلى المعهود السابق إلا أن يمنع مانع منه ، وههنا لا مانع فوجب حمله على المعهود السابق وهو الكافر المعهود المذكور في الآية المتقدمة ، فوجب أن يحمل الاستثناء في هذه الآية على الاستثناء المنقطع . قوله : ( وفي اختلاف الفعلين ) وهما تحول النعمة إلى الشدة وعكسه . وجعل التعبير عن الأول مخالفا للتعبير عن الثاني ، فإن الظاهر أن يقال في الأول : ولئن أصبناه بشدة وضر بعد ما أعطيناه رخاء ورحمة ليوافق قوله :وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَوخولف ذلك للتنبيه على سبق رحمة اللّه غضبه ، وأن المقصود قصدا أوليا أي المقصود بالذات هو الرحمة وأن البلاء إنما يصيب الإنسان لسوء تدبيره . والحكمة في كون الكافر يؤوسا حال زوال ما به من النعمة أنه لا يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من وجود اللّه تعالى وفضله وإحسانه ، إذ هو لا يعتقد ذلك بل يعتقد أن السبب في حصولها سبب اتفاقي فيستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى ، فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس حال زوالها ويقع في الكفران حال حصولها لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان إنما حصلها بسبب جده وجهده لا يشتغل بشكر اللّه تعالى عن تلك النعمة . قوله : ( بطر بالنعم ) لأن من ينكر السعادة الأخروية إذا وجد لذة عاجلة دنيوية يزعم أنه فاز بنهاية السعادة فيعظم فرحه ويفتخر ولا يشتغل بشكر المنعم كما أنه لا يلزم الصبر عند البلاء والشدة .