قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعا على متن الماء . واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم . وقيل : كان الماء على متن الريح واللّه أعلم بذلك
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
متعلق « بخلق » أي خلق ذلك كخلق من خلق ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون . فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم وما يحتاج إليه أعمالكم ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها . وإنما جاز تعليق فعل « البلوى » لما فيه من معنى العلم من حيث إنه
شرح
المعلومات . قوله : ( أي خلق ذلك كخلق من خلق ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم ) يعني أن لام التعليل في قوله تعالى :لِيَبْلُوَكُمْوإن كان ظاهرا على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال اللّه تعالى معلل بمصالح العباد ، إلا أن أهل السنة والجماعة يقولون بأنها ليست على ظاهرها بل المعنى أن اللّه تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من يراعي المصالح ما يفعله إلا لتلك المصلحة . وأشار به أيضا إلى جواب ما يقال : الابتلاء إنما يصح من الجاهل بعواقب الأمور فكيف أسند إليه تعالى ؟ وتقرير الجواب عنه أن ليس المراد به حقيقة الابتلاء بل هو مشبه بالابتلاء وأن معاملة اللّه تعالى مع عباده في خلق المنافع لهم وتكليفهم بشكره وإثابتهم إن شكروا وعقوبتهم إن كفروا تشبه معاملة المختبر ، فاستعير لها الابتلاء على سبيل التمثيل .
قوله : ( فإن جملة ذلك الخ ) بيان لكونها شبيهة بمعاملة المبتلي لأحوالكم وقوله : « وإنما جاز تعليق فعل البلوى » جواب عما يقال : التعليق مختص بالفعل القلبي ، وفعل البلوى ليس منه فكيف يكون التعليق ؟ فأجاب بأنه إنما علق لأن فيه معنى العلم والعلم يجوز تعليقه فكذا ما فيه معنى العلم كما يعلق النظر والاستماع لما في كل واحد منهما معنى العلم من حيث إن كلا من النظر والاستماع طريق إلى العلم . يقال : انظر أيهم أحسن وجها واستمع أيهم أحسن صوتا ، وتعليق أفعال القلوب عبارة عن إبطال عملها في اللفظ دون المعنى إذا توسط بينها وبين مفعولها أحد أمور ثلاثة : أحدها لام نحو : ظننت لزيد منطلق ، والثاني الاستفهام نحو :
علمت أزيد منطلق وعلمت أيهم في الدار ، والثالث حرف النفي نحو : علمت ما زيد منطلق .
وهذه الثلاثة لما اقتضت صدر الكلام منعت ما قبلها من العمل فيما بعدها فرفع ما بعده على الابتداء . وفعل البلوى يستدعي مفعولا ثانيا وهو المختبر به كما في قوله تعالى :وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ[ البقرة : 155 ] وفي هذه الآية قد عمل في الفاعل ومفعوله الأول حيث قيل :لِيَبْلُوَكُمْوعلق عن مفعوله الذي يتعدى إليه بالباء لأنه لم يعمل فيه لفظا وإن تعلق به من حيث المعنى وهو معنى التعليق إما أنه لم يعمل فيه لفظا فلأن طريق عمله فيه لفظا أن يكون المعمول مفردا ، أو يتعدى العامل بواسطة حرف الجر لفظا ، أو يكون منصوبا بنزع الخافض ولا يتعدى إلى الجملة الاستفهامية بواسطة الباء لأنها لا تدخل الجملة الاسمية ولا تكون