طريق إليه كالنظر والاستماع ، وإنما ذكر صيغة التفضيل والاختيار الشامل لفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبيح للتحريض على أحاسن المحاسن والتحضيض على الترقي دائما في مراتب العلم والعمل ، فإن المراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم اللّه وأسرع في طاعة اللّه » . والمعنى أيكم أكمل علما وعملا
وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
( 7 ) أي ما البعث أو القول به أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان . وقرأ حمزة والكسائي « إلا ساحر » على أن
شرح
الجملة منصوبة بنزع الخافض فظهر أنها ليست مفعولة لفعل البلوى . وإما كونها متعلقة به من حيث المعنى مختبرا بها لأن المعنى ليبلوكم بتكليفكم أحسن العمل ، وما ذكره في سورة الملك من أنه ليس بتعليق مبني على أن يضمن فعل البلوى معنى العلم فتكون الجملة منصوبة المحل به على أنها مفعول ثان له لأنه لا يتعدى بحرف الجر حتى يلزم المحذور المذكور على تقدير جعله عاملا .
قوله : ( وإنما ذكر صيغة التفضيل والاختبار ) مع أن جمعهما في حكم الجمع بين المتنافيين لأن الاختبار يتعلق بجميع العباد محسنين كانوا أو مسيئين وأَحْسَنُ عَمَلًايخصصه بالمحسنين تنبيها على أن المقصد الأقصى من خلق المخلوقات أن يتوسلوا بأحسن الأعمال إلى أجل المثوبات وتحريضا لهم على ترك القبائح والمنكرات . ثم إنه تعالى لما بيّن أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم اقتضى ذلك نشأة أخرى لهم بأن يبعثوا من قبورهم ويحشروا في موقف القيامة للحساب والجزاء لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسئ بالمحنة والعقاب وذلك لا يتم إلا بتحقيق البعث والحساب ، فلذلك خاطب نبيه عليه الصلاة والسّلام بقوله :وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواواللام في « ولئن قلت » لام التوطئة للقسم و « ليقولن » جوابه وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه و « إنكم » محكي بالقول ولذلك كسرت همزته في قراءة الجمهور . وإن قرىء « إن هذا إلا سحر » تكون الإشارة إلى البعث أو القول المدلول عليه بما تقدم أو إلى القرآن المتضمن لذكره ، كأنه قيل : لو تلوت عليهم من القرآن ما فيه إثبات البعث لقالوا هذا المتلو سحر . والمراد إنكار البعث بطريق الكناية لأن القرآن هو الحاكم بحصول البعث وإذا طعنوا فيه بكونه سحرا فقد طعنوا فيما حكم به القرآن من البعث لأن الطعن في الأصل يستلزم الطعن في الفرع . قوله : ( إلا كالسحر ) إشارة إلى وجه مطابقة جوابهم لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَوهو أنهم أجابوه صلّى اللّه عليه وسلّم بكلام هو من باب التشبيه البليغ حيث شبهوا نفس البعث أو القرآن المتضمن