وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوهما
وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وأنواعا من المال
رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
دعاء عليهم بلفظ الأمر بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره كقولك : لعن اللّه إبليس . وقيل : اللام للعاقبة وهي متعلقة « بآتيت » . ويحتمل أن تكون للعلة لأن إيتاء النعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضلال ولأنهم لما جعلوها سببا للضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا فيكون « ربنا » تكريرا للأول تأكيدا وتنبيها على أن
شرح
أول الإسلام بمكة . ثم إن موسى عليه الصلاة والسّلام لما بالغ في إظهار المعجزات وتقرير الدلائل والبينات ورأى القوم مصرين على الجحود والعناد دعا عليهم ، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولا سبب جرمه وكان جرمهم حب الدنيا وزينتها فلذلك تركوا الدين وعاندوا من يدعو إليه . فلذلك ابتدأ عليه الصلاة والسّلام في دعائه عليهم بقوله :رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًاروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه كان لهم من بناء فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن وذهب وفضة وزبرجد وياقوت . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي « ليضلوا » بضم الياء والباقون بفتح الياء . وذكر في هذه اللام ثلاثة أوجه :
الأول أن تكون لأمر الغائب بمعنى الدعاء عليهم كأنه قيل : ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال والإضلال وليكونوا ضلالا مضلين . وإنما دعا عليهم بذلك بعد ما عرض عليهم آيات اللّه وبيناته مكررا وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا طويلا وحذرهم عذاب اللّه وانتقامه ، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرا وعلى الإنذار إلا استكبارا وعلى النصيحة إلا بعدا . ولم يبق له مطمع فيهم وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال وأن إيمانهم كالأمر المحال ، فاشتد غضبه عليهم وأفرط مقته وكراهته لحالهم فدعا اللّه تعالى عليهم بما علم أنه لا يكون غير ذلك ليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة ، وأنهم لا يستأهلون إلا أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم . والوجه الثاني أن تكون لام الصيرورة والعاقبة كما في قوله :لدوا للموت وابنوا للخرابفلما كان عاقبة قوم موسى عليه الصلاة والسّلام هو الضلال وقد أعلمه اللّه تعالى ذلك عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ . والوجه الثالث أن لا تكون لام التعليل حقيقة بل مجازا لا جرم كان اللّه تعالى آتاهم ذلك ليؤمنوا ويشكروا نعمته فتوسلوا به إلى مزيد البغي والكفر .
شبهت هذه الحالة بحال من أعطى المال لأجل الإضلال فورد الكلام بلفظ التعليل بناء على هذه المشابهة ، وإيتاء النعمة على الكفر والضلال استدراج وتثبيت عليه فيكون الإيتاء لأجل التثبيت على الضلال ومعللا به . وعلى التقدير تكون اللام متعلقة « بآتيت » ولا تكون للدعاء