قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل .
وقرأ يعقوب « ننجيك » من أنجى . وقرىء « ننحيك » بالحاء أي نلفيك بناحية الساحل
بِبَدَنِكَ
في موضع الحال أي ببدنك عاريا عن الروح أو كاملا سويا أو عريانا من غير لباس أو بدرعك ، وكانت له دروع من ذهب يعرف بها . وقرىء « بأبدانك » أي بأجزاء البدن كلها كقولهم : هوى بإجرامه ، أو بدروعك كأنه كان مظاهرا بينها .
لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
لمن وراءك علامة وهم بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السّلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحا على ممرهم من الساحل . أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالا عن الطغيان ، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه
شرح
مرات بثلاث عبارات ، حيث قال أولا :آمَنْتُوقال ثانيا :أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَوقال ثالثا :وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَوكانت المرة الثانية كافية حين بقاء التكليف والاختيار . جاء في الأخبار عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال : غار النيل على عهد فرعون فأتاه أهل مملكته فقالوا : أيها الملك أجر لنا النيل . فقال : إني لست براض عنكم حتى قال ذلك ثلاث مرات . فذهبوا فأتوه فقالوا : أيها الملك ماتت البهائم وهلكت الصبيان والأبكار فإن لم تجر لنا النيل اتخذنا إلها غيرك . فقال لهم : اخرجوا إلى الصعيد فخرجوا فتنحى عنهم بحيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه وألصق خده بالأرض وأشار بالسبابة وقال : اللهم إني خرجت إليك خروج العبد الذليل إلى سيده وإني أعلم أنه لا يقدر أحد على إجرائه غيرك فأجره . قال : فجرى النيل جريا فأتاهم فقال لهم : إني أجريت لكم النيل قال :
فخروا له سجدا . فعرض له جبريل فقال : أيها الملك إن عبدا ملكته عبيدي وأعطيته مفاتيح خزائني وعاداني وأحب من عاديته وعادى من أحببته . فقال له فرعون : لو كان لي ذلك العبد لغرقته في بحر القلزم . فقال له جبريل عليه السّلام أيها الملك اكتب لي بذلك كتابا . قال :
فدعا بدواة وقلم وقرطاس فكتب فرعون فيه يقول : أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر . فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خاله فعرفه فقال جبريل : هذا ما حكمت به على نفسك . قوله : ( أو نلقيك على نجوة من الأرض ) النجوة المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاؤك من السيل . والباء في « ببدنك » للمصاحبة كما في قولك : خرج زيد بعشيرته ، واشترى الفرس بسرجه . وهذه الباء تصلح أن تكون مع مدخولها في محل الحال فأراد المصنف أن يبين كونه مبينا لهيئة المفعول فقال : « عاريا عن الروح أو بدنا سويا لم ينقص منه شيء لئلا تبقى شبهة في أنه بدنك أو بدن غيرك » إلى آخر ما قال .
والعرب تطلق البدن على الدرع . قال أبو الليث : البدن الدرع الذي يكون قصير الكمين .