وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
ملائكة تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون . والحكمة فيه أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الإشهاد كان أزجر عن المعاصي وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه
شرح
قوله تعالى :( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ )ليس المراد بالفوقية الجهة تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا بل المراد الفوقية من حيث القدرة . فإنه تعالى قهار للممكنات المعدومة بالإيجاد والتكوين وللممكنات الموجودة بالإفناء والإفساد ، وقهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور والليل بالنهار والنهار بالليل ، وقهار للعناصر التي تألف البدن منها فإنها مع كونها متنافرة متباعدة بالطبع والخاصية قد ألف الملك القهار بينها بأن خلع عنها كيفياتها المتضادة وأودع فيها كيفية واحدة متوسطة بين تلك الكيفيات الصرفة ، وقهار للروح والبدن حيث جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة الكاملة وجعل كل واحد منهما مستكملا بصاحبه منتفعا بالآخر . فإن الروح يصون البدن عن العفونة والفساد والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية والمعارف الإلهية مع ما بينهما من كمال المباعدة والمنافرة فإن البدن كثيف سفلى ظلماني فاسد عفن والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف .
وقد ألف الملك الجبار بينهما ليصلحا لقبول العهد والمحن فإذا تأملت هذه الأسرار المودعة في الممكنات من العلويات والسفليات والذوات والصفات علمت أن كلها مقهورة تحت قهر اللّه تعالى مسخرة بتسخيره تعالى كما قال :وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِقوله تعالى :( وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً )جملة فعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها وهي قوله :وَهُوَ الْقاهِرُأو جملة مستأنفة سيقت للإخبار بذلك وجعله معطوفا على « قاهر » لكون حرف التعريف فيه بمعنى « الذي » وكون التقدير : وهو الذي يقهر عباده ويرسل ضعيف لأنه يلزم من ذلك الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي فإن المعطوف على الصلة من تمام الصلة فلا يجوز أن يتحلل بينهما أمر أجنبي . ومن جملة قهره لعباده تعالى إرسال الحفظة عليهم لحفظ أعمالهم قال تعالى :وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ[ الانفطار : 10 - 11 ] واختلفت الآثار في عدد الحفظة ؛ روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : مع كل إنسان ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار : انتظره لعله يتوب منها فإن لم يتب كتبها عليه . وروي عنه : كاتب الحسنات على يمين الرجل وكتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات ، فإذا عمل العبد حسنة كتبها ملك اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه تسع ساعات لعله يسبح أو يستغفر . وروي أن العبد إذا قعد فأحد الملكين عن يمينه والآخر عن يساره وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه وإن