فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ
أي الذي جئتم به هو السحر لا ما سمّاه فرعون وقومه سحرا . وقرأ أبو عمرو « السحر » على أن « ما » استفهامية مرفوعة بالابتداء و « جئتم به » خبرها و « السحر » بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف تقديره : أهو السحر أو مبتدأ خبره محذوف أي السحر هو ويجوز أن ينتصب « ما » بفعل يفسره ما بعده تقديره أي شيء أتيتم .
إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ
سيحقه أو سيظهر بطلانه .
إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
( 81 ) لا يثبته ولا يقويه . وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له .
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ
ويثبته
بِكَلِماتِهِ
بأوامره وقضاياه وقرىء « بكلمته »
وَلَوْ
شرح
أمرهم بالسحر . قوله : ( أي والذي جئتم به هو السحر لا ما سمّاه فرعون وقومه سحرا ) والحصر مستفاد من تعريف الخبر فإن تعريفه بلام الجنس قد يفيد قصر الجنس على المسند إليه قصرا حقيقيا مطابقا للواقع نحو : زيد الأمير إذا لم يكن في الواقع أمير سواه ، أو قصرا غير حقيقي مبنيا على المبالغة في اتصاف المسند إليه بذلك الجنس نحو : عمرو الشجاع أي الكامل في الشجاعة بنى الكلام في صورة توهم أن الشجاعة مقصورة عليه لا تتجاوزه لعدم الاعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال . وقوله تعالى :ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُمن قبيل الأول . وكلمة« ما »فيه بمعنى « الذي » في محل الرفع على الابتداء و« جِئْتُمْ بِهِ »صلته وعائده و« السِّحْرُ »خبره . عرف لفظ السحر بحرف التعريف وسقطت همزة الوصل حال الدرج . قوله : ( بدل منه ) أي من اسم الاستفهام ولذلك أعيد معه أداة الاستفهام . فإنه قد تقرر في كتب النحو أن ما وقع بدلا من اسم الاستفهام لا بد أن يعاد فيه أداته ليساوي البدل المبدل منه في أنه استفهام كما تقول : كم مالك أعشرون أم ثلاثون ؟
فيجعل أعشرون بدلا من كم . ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر لأنك إذا أبدلته من المبتدأ وصار في موضعه صار خبر المبتدأ خبرا عنه . قوله : ( ويجوز أن ينتصب ما الخ ) أي ويجوز أن تكون « ما » استفهامية منصوبة المحل بفعل مقدر بعدها لأن لها صدر الكلام ، و « جئتم » به مفسرا لذلك الفعل المقدر فتكون المسألة حينئذ من باب الاشتغال ، والتقدير : أي شيء أتيتم جئتم به والسحر على ما تقدم . ولو قرىء بنصب « السحر » على أنه بدل من « ما » بهذا التقدير لكان له وجه لكن لم تنقل القراءة به . واعلم أنك إذا جعلت « ما » موصولة بمعنى « الذي » امتنع نصبها بفعل مقدر على الاشتغال لأن ما بعدها صلة والصلة كما لا تعمل في الموصول لا تكون تفسيرا لما هو العامل فيه ، فتلخص من هذا أنها إذا كانت استفهامية جاز أن تكون في محل رفع أو نصب وإذا كانت موصولة تعيّن أن تكون في محل الرفع بالابتداء .