تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ
الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة .
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من لحوق مكروه
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 62 ) بفوات مأمول . والآية كمجمل فسره قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
( 63 ) وقيل : الذين آمنوا وكانوا يتقون بيان لتوليهم إياه .
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وهو ما بشر به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما يريهم في الرؤيا الصالحة وما يسنح لهم من المكاشفات
شرح
وإما على الابتداء ليكون كلاما برأسه . ولما ورد أن يقال : إن كثيرا من القراء جعلوا قوله تعالى :وَلا أَصْغَرَوَلا أَكْبَرَعلى قراءة الجمهور معطوفا على المجرور وجعلوا صورة الفتح جر غير المنصرف وجعلوه على قراءة حمزة معطوفا على محل الجار والمجرور فهم كيف يتخلصون من لزوم فساد المعنى حينئذ ؟ أجاب عنه بقوله : ومن عطف جعل الاستثناء منقطعا والمعنى : لا يعزب عنه شيء ولكن جميع الأشياء في كتابه . وقال أبو شامة : يزول الإشكال بأن يقدر قبل قوله :إِلَّا فِي كِتابٍليس شيء من ذلك أي ليس شيء من ذلك إلا في كتاب مبين . ثم إنه تعالى لما عمم وعده ووعيده في حق كافة من أطاع وعصى في الآية السابقة اتبعه بشرح أوليائه المخلصين فقال :أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ .قوله : ( يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة ) أي يتقربون إليه ويتقرب هو تعالى إليهم فإن الولي القرب ، وولي كل شيء هو الذي يكون قريبا منه . والقرب من اللّه تعالى بحسب المكان والجهة محال بل القرب منه إنما يكون بطاعته والاستغراق في معرفته بحيث إذا رأى رأى دلائل قدرته ، وإذا سمع سمع آياته ، وإذا نطق نطق بالثناء عليه ، وإذا تحرك تحرك في خدمته ، وإذا اجتهد اجتهد في طاعته . فبهذه الحيثية يكون في غاية القرب منه تعالى ويكون وليا له عز وجل فيكون اللّه تعالى وليا له أيضا كما قال :اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا[ البقرة : 257 ] لأن القرب لا يكون إلا من الجانبين . وإليه أشار المصنف بقوله : « يتولونه ويتولاهم » والخوف إنما يكون من حدوث شيء من المكاره في المستقبل ، والحزن إنما يكون من تحقق شيء مما يكرهه في الماضي أو من فوت شيء أحبه فيه . قوله : ( والآية كمجمل ) لأن قوله :أَوْلِياءَ اللَّهِعنوان مجمل لم يتبين فيه جهة قربهم من اللّه تعالى فخفي المراد منه . وقوله :الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَسواء كان منصوبا على أنه صفة للأولياء أو منصوبا على المدح أو مرفوعا على الابتداء يفسر ويبين جهة قربهم منه تعالى ، وهي إيمانهم وخوفهم من المقام بين يدي اللّه تعالى كما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : يريد بهم الذين صدقوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخافوا مقامهم بين يدي اللّه تعالى فكان بيانا لما أجمل أولا . والفرق بين كونه تفسيرا للمراد من أولياء اللّه وبين كونه بيانا لتوليهم لربهم ظاهر ، لأن الأول لا يستلزم الثاني والثاني يستلزم الأول . قوله : ( وما يريهم في الرؤيا الصالحة ) روي أن عبادة بن الصامت سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما هذه البشرى