قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ
جعل الرزق منزلا لأنه مقدر في السماء محصل بأسباب منها ، و « ما » في موضع النصب « بأنزل » أو « بأ رأيتم » فإنه بمعنى أخبروني ولكم ، دل على أن المراد منه ما حل ولذلك وبخ على التبعيض فقال :
فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
مثل هذه أنعام وحرث حجر ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا .
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
في التحريم والتحليل فتقولون ذلك بحكمه
أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
( 59 ) في نسبة ذلك إليه . ويجوز أن تكون المنفصلة متصلة « بأرأيتم » وقيل مكرر للتأكيد وأن يكون الاستفهام للإنكار ، و « أم »
شرح
قوله : ( جعل الرزق منزلا ) أي من السماء مع أن الأرزاق إنما تخرج من الأرض إما لأنه مقدر في السماء كما قال تعالى :وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ[ الذاريات : 22 ] ولا يخرج من الأرض إلا على حسب ما قدر فيها فصار ذلك كأنه منزل منها . أو لأنه إنما يخرج من الأرض بأسباب متعلقة بالسماء كالمطر والشمس والقمر ، فإن المطر سبب الإتيان والشمس سبب النضج والقمر سبب التلون . ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه تعالى أثبت أولا نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم وأجاب عن شبه أهل مكة في إنكار نبوته واتبع ذلك شأن فساد طريقتهم في شرائعهم وبيّن أن التمييز بين هذه الأشياء بتحليل بعضها وتحريم البعض الآخر مع أنه لم يشهد بذلك عقل ولا نقل فرق باطل ومنهج فاسد . والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب . قوله : ( وما في موضع النصب بأنزل أو بأ رأيتم ) يريد أن كلمة « ما » يجوز أن تكون موصولة بمعنى « الذي » منصوبة على أنه مفعول أول « لأرأيتم » والعائد محذوف والتقدير : أخبروني ما أنزل اللّه . ومفعوله الثاني هو قوله :آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْوالعائد من هذه الجملة إلى المفعول الأول محذوف تقديره : اللّه أذن لكم فيه . فإن قيل :
قوله تعالىقُلْيمنع من كون الجملة بعده مفعولا ثانيا والجواب أن كلمة« قُلْ »في قوله تعالى :قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْهي« قُلْ »المذكورة أولا كررت للتأكيد لأنه حذف من الكلام .
وقيل : ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا آلله أذن لكم فيه ) يتم الكلام بدونه فعلم بذلك أنها إنما ذكرت للتأكيد فلا تمنع كون ما بعدها معمولا لما قبلها .
ويجوز أن تكون « ما » استفهامية منصوبة المحل « بأنزل » وهي حينئذ تكون متعلقة « لأرأيتم » وتكون سادة مسد المفعولين . والمعنى : أخبروني أي شيء أنزل اللّه من رزق فبعضتموه والمقصود الإنكار لتجزئتهم الرزق . قوله : ( ويجوز أن تكون المنفصلة ) أراد قوله اللّه أذن لكم فإنه قد انفصل من قوله :أَ رَأَيْتُمْبتحلل كلمة « قل » بينهما يريد أنه قد سبق عليه شيئان :
أحدهما« أَ رَأَيْتُمْ »والآخر« قُلْ »فجاز في قوله :قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْأمران : الأول أن يكون متعلق الاستخبار ومفعوله الثاني أن يكون متعلق القول ومقولة . فإن علق « بأرأيتم » فلا بد أن