تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى على وجه الافتراء ، فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرنا في النظم والعبارة
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ
ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به
مِنْ دُونِ اللَّهِ
سوى اللّه فإنه وحده قادر على ذلك
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 38 ) أنه اختلقه .
بَلْ كَذَّبُوا
بل سارعوا إلى التكذيب .
بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علما من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخالف دينهم .
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
ولم يقفوا بعد على تأويله ولم تبلغ أذهانهم معانيه ، أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الأخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب . والمعنى : أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى . ثم إنهم فاجأوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه ومعنى التوقع في
« لَمَّا »
أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فرازوا قواهم في معارضته فتضاءلت
شرح
المعارضة ، مع أنه لم يف ولو اجتمع الإنس والجن بعضهم ظهير البعض لأن قدرة البشر عاجزة عنها ، فعلم أن نظمه وتنزيله ليس إلا من قبل اللّه تعالى . قوله : ( بل سارعوا إلى التكذيب ) فسربَلْ كَذَّبُوابقوله : « بل سارعوا » لدلالة قوله :بِما لَمْ يُحِيطُواوَلَمَّا يَأْتِهِمْعلى المسارعة فإن تكذيب الكلام قبل الإحاطة بمعانيه مسارعة إليه في أول الوهلة فإن التصديق والتكذيب بالشيء ينبغي أن يكون بقدر العلم به والإحاطة بكنهه ومعرفة مآله ومرجعه وإلا لكان مسارعا إليه في غير أوانه . ومعنى الإضراب في بل ذمهم على التقليد وترك النظر مع التمكن منه كأن قيل : دع تحديهم وإلزامهم فإنهم لا يتأهلون للخطاب لأنهم مقلدون متهافتون في الأمر لا عن خبر وتعقل . فإن كان قوله : « ولم يحيطوا به علما » عبارة عما يؤول إليه نظم القرآن من المعاني يكون وجه الذم أنهم سارعوا إلى تكذيبه قبل الإحاطة به علما فيعرفوا إعجاز نظمه وقبل أن يعرفوا مآله ومرجعه من المعاني . فإن القرآن كما أنه معجز من جهة حسن نظمه كذلك هو معجز من جهة اشتماله على ما فيه من المعاني وإن كان « ما لم يحيطوا » عبارة عما جهلوه مما يخالف دينهم وكان تأويله عبارة عما يؤول إليه ما فيه من الإخبار بالغيوب ، كان وجه الذم أنهم يسارعون إلى تكذيب كل واحد منهم قبل أن يتبين لهم حقيقة الأول بالنظر في دلائل حقيقته ، وحقيقة الثاني أيضا بدلائله وبحصول المآل ووقوع تلك المغيبات . قال الإمام محيي السنة رضي اللّه تعالى عنه :وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُأي عاقبة ما وعد اللّه تعالى في القرآن من أنه يؤول إليه أمرهم من العقوبة يريد أنهم لم يعلموا ما يؤول إليه أمرهم . قوله : ( فرازوا ) أي جربوا . تقول : رزته أروزه روزا أي جربته وخبرته . قوله : ( ومعنى التوقع في لما ) فإنه يدل على أن الفعل المنفي به أمر متوقع لما قيل :