سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
استئناف ببيان ما لأجله الشرى . وقيل : يقاتلون في معنى الأمر . وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول وقد عرفت أن الواو لا توجب الترتيب ، وأنّ فعل البعض قد ينسد إلى الكل
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
مصدر مؤكد لما دلّ عليه الشرى فإنه في معنى الوعد .
فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
مذكورا فيهما
شرح
قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل . فنزلتإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَوقوله تعالى :بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَمتعلق « باشترى » ودخلت الباء ههنا على المتروك على ما هو الأصل فيها وتسمى باء المقابلة وباء العوض . اشترى اللّه تعالى من المؤمنين أنفسهم التي هي عبارة عن الجوهر الأصلي المركب الذي هو آلة في اكتساب الكمالات ، ومالهم الذي هو وسيلة إلى رعاية مصالح هذا المركب بالجنة وجعلها تعالى بمنزلة الثمن . قوله : ( استئناف ببيان ما لأجله الشرى ) أي ببيان الصورة المشبهة بالشرى ، فإن المقتل في سبيل اللّه سواء قتل أو قتل لا شك أنه ينفق ماله في تلك السبيل . ثم إن اتفق أن يكون مقتولا بذل مع ذلك بدنه أيضا وأنه تعالى يأخذ ماله وبدنه ويعطي بدلهما الجنة .
فالمراد بالشرى الذي أخبر اللّه تعالى عنه بقوله :اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَهذه الصورة المخصوصة المعينة . فلما كان المطلوب من المفهوم الكلي الإجمالي صورة مخصوصة معينة صح لسائل أن يقول حين سمع قول اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ: ما المطلوب بهذا الشرى ؟ وبالصورة التي جعل الشرى المذكور عنوانا لأجلها ؟ ويجاب عنه بأنه قال :يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي يبذلون أنفسهم وأموالهم فيأخذها اللّه تعالى منهم ويعوضهم الجنة . فعلى هذا الوجه لا يكون يقاتلون في معنى الأمر . وقيل : إنه أمر في صورة الخبر كما في قوله تعالى :وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ[ الصف : 11 ] .
قوله : ( وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول ) أي تقديم كونهم مقتولين على كونهم قاتلين للإشعار بأن طائفة كثيرة من المسلمين وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة بل يبقون بعد ذلك مع الأعداء قاتلين لهم بقدر الإمكان كما قال :فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[ آل عمران : 146 ] أي ما وهن من بقي منهم . وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول للدلالة على أنهم يقتلون ولا يرجعون عنهم إلا أن يصيروا مقتولين . قوله : ( مصدر مؤكد لما دل عليه الشرى ) يعني لا حاجة إلى أن يقدر فعل من لفظ المصدر لأن مضمون الجملة السابقة يصلح أن يكون ناصبا للمصدر لكونها في معنى : وعد اللّه لهم الجنة في مقابلة ما بذلوه من أنفسهم وأموالهم . و « حقا » نعت للمصدر وعليه حال من حقا لأنه لو تأخر عنه لكان صفة له فلما تقدم عليه انتصب حالا . قوله :
( مذكورا فيهما ) إشارة إلى أن قوله : « في التوراة » متعلق بمحذوف هو صفة « للوعد » فيكون