تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنه قال : الجامعون بين الوصفين . وفي قوله تعالى :
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
أي فيما بيّنه وعيّنه من الحقائق والشرائع للتنبيه على أن ما قبله مفصّل الفضائل وهذا مجملها . وقيل : إنه للإيذان بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث إن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك تسمى واو الثمانية .
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
( 112 ) يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك ، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشّر به للتعظيم كأنه قيل : وبشرهم بما يجلّ عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام .
شرح
التائبين لكونه في تقدير الذين تابوا من ألفاظ العموم يتناول كل تائب فتخصيصه بالتائب من بعض المعصية تحكم محض . وأصل التوبة الرجوع ثم خصت بالرجوع من العقوبة إلى المغفرة والرحمة . والعابدون هم الذين أتوا بالعبادة وهي عبارة عن الإتيان بفعل يشعر بتعظيم اللّه تعالى . والسائحون عند عامة المفسرين الصائمون . عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال : كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصيام . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « سياحة أمتي الصيام » وإنما سمي الصائم سائحا لأنه يمتنع عن الشهوات كالسائح في الأرض . فإنه يقنع بما تيسر له مما يوصله إلى مقصده ولا يتوسع في استيفاء اللذات واتباع الشهوات لأن الصائم لما امتنع عن الأكل والشرب والوقاع وسدّ على نفسه أبواب الشهوات انفتحت عليه أبواب الحكمة والمعرفة ومالت نفسه إلى عالم المعقولات وانتقل من مقام إلى مقام ومن درجة إلى درجة ، وهذا الانتقال هو السياحة في عالم الروحانيات فلذلك شبه الصائم بالسائح في الأرض . وقال علي كرم اللّه وجهه : المراد بقوله تعالى :السَّائِحُونَالغزاة في سبيل اللّه يقطعون المنازل والمراحل إلى أن يصلوا إلى ديار الكفرة فيجاهدوهم . وقال عكرمة : هم طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم . وقوله تعالى :الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَيعني المصلين فإن هيئة القيام والقعود يؤتي بهما على وفق العادة بخلاف الركوع والسجود فإنهما ليسا من الهيئات الطبيعية الموافقة للعادة فلا يؤتى بهما إلا على سبيل العبادة ، فكان لهما مزيد اختصاص بالصلاة فلذلك كنى بهما عنها . قوله : ( للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها ) ذكر اللّه تعالى على سبيل التفصيل من الفضائل والتكاليف ما لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته وهي التوبة والعبادة والاشتغال بحمد اللّه تعالى والسياحة لطلب مهمات الدين كالعلم والجهاد والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ولما كانت التكاليف الشرعية غير منحصرة فيما ذكر بل لها أصناف وأقسام كثيرة لا يمكن تفصيلها وتبيينها إلا في مجلدات ، ذكر اللّه