تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ
بنيان دينه
عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ
على قاعدة محكمة هي التقوى من اللّه وطلب مرضاته بالطاعة .
أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ
على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها .
فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ
فأدّى به لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار ، وإنما وضع شفا الجرف وهو ما جرفه الوادي الهائر في مقابلة التقوى تمثيلا لما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس ثم رسخه بانهياره به في النار ووضعه في مقابلة الرضوان تنبيها على أن تأسيس ذاك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى رضوان اللّه ومقتضياته التي الجنّة أدناها
شرح
أنه فيه رجال يحبون أن يتطهروا ، شرع في بيان تفاوت ما بين الفريقين فقال :أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُالآية والبنيان مصدر كالغفران والمراد منه ههنا المبني . وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال : ضرب الأمير ونسبح زيد أي مضروبه ومنسوجه والتأسيس إحكام أس البناء وهو أصله وقوله تعالى :عَلى تَقْوىيجوز أن يتعلق بنفس « أسس » فهو مفعول في المعنى وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في « أسس » . ومحصول المعنى أن المؤسس بنيانه متقيا يخاف اللّه تعالى ويرجو ثوابه ورضوانه خير أم المؤسس بنيانه غير متق ؟ ويجوز أن يراد بالبنيان بناء المسجد والمعنى أي الفريقين أولى بالخيرية من أسس بناء المسجد يريد به تقوى اللّه وطاعته وهم أهل مسجد قباء أو مسجد المدينة أم من أسس بنيانه على النفاق والكفر وتفريق المسلمين وانتظار الكفار بأن يأتوه فيقصدوا كيد المسلمين ويحتالوا لتوهين أمر الدين ؟ إلا أن المصنف اختار أن يكون المراد بالبنيان بنيان الدين لأنه أنسب بتوصيف أهل الضرار بمضارة المسلمين والكفر والتفريق والأرصاد توصيف مسجد أهل التقوى بأنهم يجبون أن يتطهروا من المعاصي والخصال المذمومة . وجرف الوادي جانبه الذي يحفر أصله الماء وتجرفه السيول أي تأكله وتذهب به وحرف هار أي هائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط يقال : هار الجرف إذا تصدع من خلفه وهو ثابت في مكانه فإذا سقط فقد انهار وتهور . ومعناه الساقط الذي يتداعى بعضه في إثر بعض كما ينهار الرمل والشيء الرخو . وفاعل « انهار » ضمير « الجرف » وهو يستلزم انهيار الشفا والبنيان جميعا وانهيارهما أو انهيار أحدهما لا يستلزم انهياره . والباء في « به » للتعدية أو للمصاحبة أي فانهار مصاحبا له . قوله : ( وهو ما جرفه الوادي ) فيه توسع . والمراد أن الجرف هو جانب الوادي وقد حفر سيل الوادي أصله ، وكونه هائرا عبارة عن كونه متصدعا مشرفا على السقوط . قوله : ( تمثيلا لما بنوا عليه أمر دينهم ) وهو النفاق والشقاق . فإنه شبه النفاق بشفا جرف هار أي بطرف جانب الوادي الذي ذهب أصله بالسيل وانصدع فمال إلى السقوط في قلة الثبات وسرعة الانطماس فاستعير شفا الجرف للمشبه .