تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ
( 66 ) مصرّين على النفاق أو مقدّمين على الإيذاء والاستهزاء . وقرأ عاصم بالنون فيهما . وقرئ الياء وبناء الفاعل فيهما وهو « اللّه » و « أن تعف » بالتاء والبناء على المفعول ذهابا إلى المعنى كأنه قال : إن ترحم طائفة .
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
أي متشابهة في النفاق والبعد عن الإيمان كأبغاض الشيء الواحد . وقيل : إنه تكذيبهم في حلفهم باللّه أنهم لمنكم وتقرير لقوله وما هم منكم وما بعده كالدليل عليه فإنه يدل على مضادّة حالهم لحال المؤمنين ، وهو قوله :
يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ
بالكفر والمعاصي
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
عن
شرح
الإيمان . وفي الآية دليل على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ، فإن الهزل بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة وكذا لا فرق بين الجد الهزل في النكاح والطلاق والرجعة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة » . قال الترمذي في حق هذا الحديث : إنه حديث حسن . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وغيرهم . ونقل القرطبي عن سعيد بن المسيب قال : ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعنق . قوله : ( وقرأ عاصم بالنون فيهما ) فإنه قرأ « أن نعف » بفتح نون العظمة ورفع الفاء و « نعذب » بضم نون العظمة وكسر الذال و « طائفة » بالنصب . وقرأ الباقون « أن يعف » عن طائفة بضم ياء الغيبة وفتح الفاء « تعذب طائفة » بضم تاء التأنيث والبناء للمفعول ورفع « طائفة » لقيامها مقام الفاعل والقائم مقام فاعل الفعل الأول الجار والمجرور وقرئ « تعف » بالتاء والبناء للمفعول والقياس تذكر الفعل لأنه يقال : سير بالدابة ولا يقال : سيرت بالدابة ولكنه أنث الفعل على المعنى فإن قوله :إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍمعناه أن ترحم طائفة فأنث الفعل بذلك وهو غريب . قوله : ( أي متشابهة في النفاق والبعد عن الإيمان ) لما شرح اللّه تعالى قبائح أفعال المنافقين بيّن أن أناثهم كذكورهم في تلك الأفعال المنكرة والخصال القبيحة . فكلمة « من » فيه اتصالية كما في قولك : أنت مني وأنا منك أي أمرنا واحد لا مباينة بيننا فيه . و « من » الاتصالية ابتدائية لأن الابتداء فيها باعتبار الاتصال فقولك : أنت مني جملة اسمية معناها أنت مني متصل في الشمائل والأفعال وأن ما فيك من الشمائل ناشئة ومستفادة مني لا تمايز بيننا من حيث الأفعال والخصال . فكذا المعنى في قوله تعالى :بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍفهذه الآية على ما ذكر من التوجيه لا تكون متصلة بخصوص قوله تعالى :وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ[ التوبة : 56 ] بل تكون متصلة بخصوص ما ذكر في شرح قبائح المنافقين . قوله : ( وقيل إنه تكذيبهم ) معطوف على ما ذكر مما فهمه في تفسير الآية . وعلى كلا التوجهين يكون قوله : « يأمرون بالمنكر » الخ كالدليل لما قبله وهو ما لا مدخل لكسب العبد واختياره فيه كالنسيان فإنه ليس في اختيار البشر ولا مدخل لاختياره فيه فتمتنع المؤاخذة على