استدراج ووبال لهم . كما قال :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد والمصائب
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ
( 55 ) فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك استدراجا لهم . وأصل الزهوق الخروج بصعوبة .
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ
لمن جملة المسلمين .
وَما هُمْ مِنْكُمْ
لكفر قلوبهم
وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
( 56 ) يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين فيظهرون الإسلام تقيّة .
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً
حصنا يلجأون إليه .
أَوْ مَغاراتٍ
غيرانا
أَوْ مُدَّخَلًا
نفقا يتجحرون فيه مفتعل من الدخول . وقرأ يعقوب « مدخلا » من دخل . وقرئ « مدخلا » أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم ، ومتدخّلا ومندخلا من تدخّل واندخل .
لَوَلَّوْا إِلَيْهِ
لأقبلوا نحوه
وَهُمْ يَجْمَحُونَ
( 57 ) يسرعون إسراعا لا يردّهم شيء كالفرس الجموح . وقرئ يجمزون ومنه الجمّازة .
شرح
هو السرور بالشيء مع نوع من الافتخار به ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه . ثم شاع استعماله في السرور بما يتعجب منه مطلقا يقول : لا يعجبك ما أنعمنا عليهم من الأولاد والأموال فإن العبد إذا كان مستدرجا كثر ماله وولده . قوله : ( حصنا يلجأون إليه ) يعني أن ملجأ مفعل من لجأ إليه أي لاذ به . والملجأ يصلح للمصدر والزمان والمكان . والظاهر أنه محمول هنا على المكان . والمغارات جمع مغارة وهي مفعلة وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر وكل شيء سترت فيه وغبت فهو مغارة لك . والمدخل مفتعل من الدخول وهو بناء مبالغة في هذا المعنى ، والأصل مدتخل فأدغمت الدال في تاء الافتعال كما في أدان من الدين ، والمتدخل اسم مفعول من تدخل وبناء التفعيل يجيء متعديا إذا كان للاتخاذ نحو : توسده أي اتخذه وسادة . وأما قراءة « مندخلا » بالنون بعد الميم على أنه اسم مفعول من أندخل ففيها إشكال ، لأن باب الانفعال لازم لا يتعدى فكيف بني منه اسم المفعول إلا أن يجعل اسم مكان . وترتيب هذه المعطوفات ترتيب بديع لأنه ذكر أولا الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان ، ثم ذكر المغارات التي يختفي فيها في أعلى الأماكن وهي الجبال ، ثم الأماكن التي يختفي فيها في الأماكن السافلة من السروب التي عبر عنها بالمدخل . والجموع النفور بإسراع ومنه : فرس جموح إذا لم يرده لجام أي رجعوا وأقبلوا إليه يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء مثل ما يجمح الفرس . والجمز من السير أشد من العنق يقال : جمز البعير يجمز بالكسر والجماز البعير الذي يحمله راكبه على السير فوق العنق . والعنق ضرب من سير الإبل تهز أعناقها عنده وتنشط . والمعنى أنهم وإن كانوا يحلفون لكم أنهم منكم إلا أنهم