الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد ، من دبره دبر أو دبورا إذا تبعه .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 45 ) على إهلاكهم فإن هلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها .
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ
أصمكم وأعماكم .
وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ
بأن يغطّى عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم .
مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ
أي بذاك أو بما أخذ وختم عليه أو بأحد هذه المذكورات .
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ
نكرّرها تارة من جهة المقدمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين .
ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
( 46 ) يعرضون عنها وثم لاستبعاد الأعراض بعد تصريف الآيات وظهورها .
شرح
النجاة عند ورود الهلكة ، ويكون بمعنى انقطاع الحجة ، ويكون بمعنى الحيرة . قال الزجاج :
المبلس الشديد الحسرة الحزين . وقال الفراء : المبلس الذي انقطع رجاؤه . وقال أهل المعاني : وإنما أخذوا في الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية . قوله : ( أي آخرهم ) الذي يتبعهم فإن الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد . يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبر أو دبورا إذا كان آخرهم . وقال أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذين يدبرهم . وقال الأصمعي : الدابر الأصل يقال : قطع اللّه دابره أي أذهب اللّه أصله .
قوله تعالى :( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ )الآية المفعول الأول محذوف تقديره :
أرأيتم سمعكم وإبصاركم إن أخذها اللّه ، والجملة الاستفهامية في موضع الثاني كأنه قيل : إن أخذها اللّه يأتيكم بها آلهتكم . وهو احتجاج آخر على المشركين . والمعنى أرأيتم أيها المشركون إن أذهب اللّه وانتزع منكم أشرف أعضائكم الذي هو محل القوة السامعة والباصرة ومحل الحياة والعقل والعلم وهي النعم التي يبطل بزوالها مصالح الدنيا والدين هل من أحد غير اللّه يأتيكم بها ؟ ومن المعلوم أنه لا يقدر عليه إلا اللّه سبحانه وتعالى فهو المستحق للعبادة والتعظيم . قوله : ( أي بذاك أو بما أخذ وختم عليه ) يعني أفرد ضمير « به » مع كونه راجعا إلى جميع المذكورات لتنزيله منزلة اسم الإشارة أو لتأويل تلك المذكورات بالذي أخذ وختم عليه أو بأحدها لا على التعيين . قوله : ( نكررها تارة كذا وتارة كذا وتارة كذا ) إشارة إلى أن المراد من تصريف الآيات الدالة على التوحيد والنبوة بيانها وإيرادها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوى ما قبله في الإيصال إلى المطلوب ثم استبعد إعراض المشركين عن التأمل فيها مع هذه المبالغة في تفهيمها وتقريرها وكشفها