يُوحى إِلَيَّ
تبرأ من دعوى الألوهية والملكية وادّعى النبوة التي هي من كمالات البشر ردّا لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه .
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
شرح
سيقع لنا في المستقبل من المصالح والمضار حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ولدفع تلك المضار فأمره بأن يقول :وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَفكيف تطلبون مني هذه المطالب . وأيضا أنهم كانوا يقولون : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء ويخالط الناس ؟ فقال اللّه تعالى قل لهم : إني لست من الملائكة ولكني بشر رسول لا أدعي إلا الرسالة والنبوة وليس شأني إلا تبليغ ما أوحي إليّ والأمور التي تطلبونها لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة اللّه تعالى فكيف تطلبونها مني وقد تعلمون أن قدرة البشر لا تفي بتحصيلها وما ادّعيه من الرسالة منصب لا يمتنع حصوله للبشر فكيف أطبقتم عليّ إنكار قولي ودفع دعواي ؟
قوله : ( تبرأ من دعوى الألوهية والملكية ) بناء على أن يكون المراد من قوله :لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِأني لا أدّعي كوني موصوفا بالقدرة اللائقة بالإله تعالى ومن قوله :وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَأني لا أدّعي كوني موصوفا بعلم اللّه تعالى . وحصل بمجموع الكلامين أنه لا يدعي الإلهية وقوله :وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌصريح في أنه لا يدّعي الملكية فصار حاصل الكلام أني لا أدّعي الألوهية ولا أدّعي الملكية ولكن ادّعي الرسالة التي يمكن حصولها لنوع البشر فكيف تستبعدون ما أدّعيه ؟ وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه الصلاة والسّلام لا يعمل إلا بالوحي وأنه لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام وأنه ما كان يجتهد ويحكم بالقياس ، ويؤكد ذلك قوله تعالى :وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى[ النجم : 3 - 4 ] فلذلك استدل من نفى القياس بهذا النص فإنه تعالى أمره أن يقول :إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّثم أمرنا باتباعه حيث قال :فَاتَّبِعُوهُ[ الأنعام : 153 ؛ 155 ] فثبت به أنه عليه الصلاة والسّلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه ، وذلك ينفي جواز العمل بالقياس . ثم أكد اللّه تعالى ذلك بقوله :قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُوذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى الوحي يجري مجرى عمل البصير . وذكر في بعض كتب الأصول أن الوحي نوعان : ظاهر وباطن فالظاهر ثلاثة : الأول ما ثبت بلسان الملك والقرآن من هذا القبيل ، والثاني ما ثبت عنده بإشارة الملك من غير أن يبينه بالكلام وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسّلام : « إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها » والثالث ما تبدى لقلبه أي ظهر لقلبه بلا شبهة بإلهام من اللّه تعالى بأن أراه اللّه بنور من عنده أنه من عند اللّه كما قال تعالى :لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ