انضموا إليهم من الطلقاء هوازن وثقيف وكانوا أربعة آلاف . فلما التقوا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو أبو بكر أو غيره من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة . إعجابا بكثرتهم . واقتتلوا قتالا شديدا فأدرك المسلمين إعجابهم واعتمادهم على كثرتهم فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذا بلجامه وابن عمه وأبو سفيان بن الحارث وناهيك بهذا شهادة على تناهي شجاعته فقال للعباس وكان صيتا :
شرح
المذكور ناصبا للجميع يلزم أن يكون زمان الإعجاب بالكثرة ظرفا للنصرة الواقعة في المواطن الكثيرة لأن الفعل واحد . والحال أنه لم تكن لهم كثرة في تلك المواطن فضلا عن أن تكون تلك الكثرة أعجبتهم فيها فلذلك وجب أن يقال : إن المبدل منه منصوب بفعل مضمر . وبهذا التقرير اندفع ما يقال : إن ما ذكرت من أن يكون البدل منصوبا بالفعل الظاهر يستلزم أن يكون زمان الإعجاب بالكثرة ظرفا للنصرة الواقعة في مواطن كثيرة ، وهذا إنما يلزم أن لو كان المبدل منه في حكم النتيجة مع حرف العطف ليؤول إلى نصركم اللّه في مواطن كثيرة إذ أعجبتكم وليس كذلك بل يؤول إلى نصركم في مواطن ، وإذ أعجبتكم . وحاصل الرد أن العطف لا ينافي تعدد العامل في المعطوف والمعطوف عليه بحسب الأفراد وإن اتحدا في النوع ، ألا ترى إلى قولنا : اضرب زيدا اليوم وعمرا غدا واضربه حين يقوم وحين يقعد واضرب زيدا قائما وعمرا قاعدا إلى غير ذلك . فقولنا : نصرهم اللّه في مواطن كثيرة وإذ أعجبتهم كثرتهم لا يستلزم أن تكون النصرة الواقعة فيهما نصرة واحدة شخصية حتى يقال :
اقتضى الكلام تحقق كثرتهم وإعجابها إياهم في جميع المواطن .
قوله : ( هوازن وثقيف ) مفعول « حارب » . روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما فتح مكة وقد بقيت عليه ثلاثة أيام من شهر رمضان فمكث حتى دخل شوال مشت أشراف هوازن بعضها إلى بعض وكذا أشراف ثقيف بعضها إلى بعض وحشدوا وهيئوا وقالوا : واللّه ما لاقى محمدا قوم يحسنون القتال فأجمعوا أمركم فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم . فأجمعوا أمرهم على ذلك وأخرجوا معهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم فحملوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال ، ثم جاؤوا بالإبل والغنم والذراري وراء ذلك لكي يقاتل كل واحد منهم عن أهله وماله ولا يفر أحد منهم بزعمهم . فساروا كذلك حتى نزلوا بأوطاس وقد كان عليه الصلاة والسّلام بعث إليهم عينا ليتجسس عن حالهم وما كان منهم ويسمع أخبارهم فوصل إليهم ، فسمع مالك بن غوث أمير القوم يقول لأصحابه : ما تم اليوم أربعة في شيء ما إلا فرج اللّه .
فأقبل العين إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بما سمع من مقالتهم فقال رجل من المسلمين : واللّه يا رسول اللّه لأنغلب اليوم من قلة . فساءت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمته وابتلى اللّه تعالى المؤمنين بكلمته تلك . وقيل : إن هذه الكلمة قالها أبو بكر رضي اللّه عنه . وقيل : قالها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم